باريس | أحدثت الثورات العربية زلزالاً في أروقة الدبلوماسية الفرنسية، ودفعت عدداً من العاملين والمتقاعدين في هذا السلك إلى توجيه رسالة مفتوحة عبر الصحافة، تحت عنوان «لا يستطيع أيّاً كان أن يكون دبلوماسياً»، في إشارة واضحة إلى دور الرئيس نيكولا ساركوزي في «خلخلة الدبلوماسية الفرنسية».

الدبلوماسيون الذين أعطوا لبيانهم اسم المقهى الذي اجتمعوا فيه، «لامي»، لا يهاجمون الدبلوماسية الفرنسية فقط، بل الأوروبية أيضاً، التي يصفونها بأنها «عاجزة». لكنّ اللوم الرئيسي يقع على سياسة ساركوزي، ورغبته في إعادة فرنسا إلى الحلف الأطلسي. ويختصر الموقّعون على البيان وصف هذا الوضع بالقول «إننا نخسر أفريقيا الفرنكوفونية، وقد روّضتنا الصين، بينما الولايات المتحدة تتجاهلنا». وتعود الرسالة المفتوحة إلى عصر لغة الحرب الباردة حين «كانت فرنسا مع الغرب، ولكن كان صوتنا مسموعاً لأنه متميّز». أما الآن، فإن صورة فرنسا مشوّشة، «ولا أحد يستمع إلينا».
ولا يتردّد الدبلوماسيون في توجيه اللوم الشديد إلى قاطن الإليزيه وسياسته عبر أربع صفات؛ فهو «مندفع وهاو ولاهث وراء الإعلام ويتميّز بعدم التناسق في القرارات» التي باتت تُطبخ في الإليزيه على أيدي مستشارين لا يفهمون أصول الدبلوماسية، في نقد مباشر للأمين العام للرئاسة، كلود غيان. فالرجل هو الذي جعل من «(الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين) بن علي و(حسني) مبارك قاعدة دبلوماسيتنا في جنوب المتوسط»، مع انتقاد آخر لـ«قلم الرئيس» هنري غينو الذي كان وراء إطلاق فكرة الاتحاد من أجل المتوسط، على نحو مخالف لمقترحات وزارة الخارجية في حينها.
وعلمت «الأخبار» من مصادر دبلوماسية متعددة أن ما جاء في الرسالة لا يعبّر إلا عن نسبة ضئيلة ممّا يتداوله الدبلوماسيون في ما بينهم من انتقادات حادّة لـ«دبلوماسية العقود المالية»، ومطالب بعودة دبلوماسية ديغولية مبنية على «تشجيع الديموقراطية والتضامن مع الشعوب واحترام ثقافاتها».
بالطبع، جاء انهيار أنظمةٍ اعتمدت باريس عليها لمحاولة الالتصاق بالأحداث في الشرق الأوسط، ليُخرج إلى العلن ما كان يُقال همساً. وقد حاول ساركوزي، بعد فرار بن علي، وضع «نظرية جديدة» تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فجاءت مداخلاته «خارج التاريخ»، عكس مواقف الرئيس الأميركي باراك أوباما التي كانت واضحة بطلب «ذهاب مبارك فوراً». أما الآن، وفي خضم انهيار نظام معمر القذافي، فإنّ «ذكريات الحفاوة التي أحاط ساركوزي الديكتاتور بها» في باريس، تحتل بشكل مشين عناوين صفحات الإعلام الفرنسي، وباتت مادة دسمة لانتقادات معظم القوى السياسية في البلاد، بمن فيهم وزير الدفاع آلان جوبيه الذي لم يتردد سابقاً في توقيع رسالة مفتوحة، يشير فيها إلى أن «عدة شغل الدبلوماسية قد انكسرت».
ورداً على «هذا التململ الذي يتّسع في السلك الدبلوماسي»، خرج كبير المستشارين الدبلوماسيين للرئيس، جان دافيد ليفيت، بتصريح مفاده أنه على الدول الأوروبية بحث فرض عقوبات على ليبيا. إلا أنه استدرك موضحاً أن «المجتمع الدولي لا يدرس أي تدخل أجنبي» في الجماهيرية، مشيراً إلى أن العقوبات المقترحة قد تتضمن «حظراً على سفر المسؤولين وتجميد أصول مالية». وفيما رأى ليفيت أنه «لا بد للمسؤولين الليبيين من أن يواجهوا محاكمات جنائية نتيجة أعمالهم»، دعا ساركوزي إلى «تعليق العلاقات التجارية والاقتصادية والمالية مع ليبيا»، أي باختصار «إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ثلاث سنوات»، قبل أن يفتح الغرب باب خروج القذافي من عزلته، على حدّ تعبير ساخر لدبلوماسي فرنسي. ويلفت المصدر نفسه إلى أنه بحجة «محاربة الإرهاب والتطرف الإسلاميين والحدّ من الهجرة غير الشرعية والخوف من التغيير»، دعمت الحكومات الأوروبية أنظمة تلفظها شعوبها. وما يزيد من أسف الرجل، أنّ «خطاب أوروبا التحديثي» عن الديموقراطية، بات غير مقبول لدى هذه الشعوب «التي جعلتها الجغرافيا جيراناً لنا».
واستناداً إلى تسريبات دبلوماسية حصلت عليها «الأخبار»، مثّل تخلّي الولايات المتحدة عن مبارك وبن علي صدمة في كل من السعودية والإمارات. صدمة كانت فرنسا قادرة على الاستفادة منها كـ«نافذة فرص» تستطيع من خلالها «قضم بعض النفوذ الأميركي في منطقة الخليج. وفي السياق، يعترف دبلوماسي عمل طويلاً في المنطقة، بأن من الممكن البناء على هذا «القلق الخليجي»، وخصوصاً بعد «الفيتو الأميركي الساذج الأخير» ضد مشروع إدانة الاستيطان اليهودي، شرط ترك الأمور للاختصاصيين من وزارة الخارجية، لا للمستشارين من أصدقاء الرئيس.
إلا أن الأمور يصعب تغييرها بين ليلة وضحاها. فقد وقّع وزير الطاقة الفرنسي، الاشتراكي السابق «الخائن»، إيريك بيسون، أمس، اتفاقاً للتعاون النووي مع السعودية، يتضمن تدريب موظفين سعوديين، يحاكي الاتفاقين الموقّعين سابقاً مع كل من قطر والإمارات. ونقل مرافقون للوزير الفرنسي قوله لرئيس مدينة الملك عبد الله النووية، هاشم بن عبدالله يماني، «كل مجموعاتنا الصناعية تحت أمركم». لكن حتى دبلوماسية العقود التجارية لا تجري كما يرام بالنسبة إلى باريس، إذ يذكر الدبلوماسيون الفرنسيون أن المهم عند الإليزيه هو إعلان «توقيع عقود بعشرات المليارات من الدولارات»، وتناسي القول إنها «عقود بالأحرف الأولى» يمكن ألا تعقبها أي عملية شراء. وهو ما حصل مع ليبيا التي اكتفت بشراء طائرات مروحية ومعدات أمنية فرنسية تستعملها اليوم في قمع الثورة.