خاص بالموقع | باريس | كان الرهان في أفريقيا على من يمكن أن يستفيد، في ساحل العاج، من الاهتمام الإعلامي بالثورات العربية: لوران غباغبو الرئيس السابق الذي لا يعترف به المجتمع الدولي بعد الانتخابات الأخيرة، والذي يرفض التنحّي وما زال يقبض على كل مقوّمات الدولة العاجية، أم الحسن وتارا الرئيس الذي يعدّه المجتمع الدولي رابح الانتخابات والرئيس الشرعي؟ بالطبع الرهان يختلف حسب كل فريق.

فبينما يعوّل غباغبو على «نسيان» المجتمع الدولي للملف العاجي، ما يسمح له بفرض الأمر الواقع اعتماداً على مرور الوقت وعودة الحياة الطبيعية إلى مسارها، يرى فريق واتارا إمكان الاستفادة من «ربيع العرب» للدعوة إلى خلع الرئيس عبر دفع الجموع إلى الشوارع في محاولة لتقليد ما يحدث في شمال القارة السمراء، وتجسّد ذلك في دعوة غيوم سورو، رئيس الحكومة الذي عيّنه وتارا، قبل يومين، العاجيين إلى «القيام بثورة» على غرار ما حصل في مصر وتونس، من دون انتظار المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والاتحاد الأفريقي، وطلب من العاجيين «التجمّع في القرى والمدن والقيام بثورة». ولكن أثبتت الأيام عقم المقاربتين، لسبب بسيط، هو أن شعب الوطن العاجي منقسم، ما لا يسمح لغباغبو بالتصرف كأن شيئاً لم يكن، كما لا يسمح لواتارا بتسير جماهير لطرد الرئيس المتشبّث بالرئاسة.
وبالتالي، عاد الجميع ليراجع حساباته التي تشير إلى أن الوقت يعمل لمصلحة غباغبو، وأن هناك توجهاً لدى الأفارقة للدعوة إلى تقاسم الحكم، ما دفع بالعنف مرة جديدة إلى الساحة، فاندلعت معارك في زوان هونين (غرب ساحل العاج) قرب الحدود الليبيرية، بين الجيش الموالي للرئيس المنتهية ولايته لوران غباغبو والمتمردين السابقين الموالين للحسن وتارا. بالطبع هناك تناقضات كبيرة بين أرقام القتلى المعلنة من كلا الطرفين، إلا أن عودة القتال إلى «مناطق بناء الثقة»، بحسب تعبير اتفاق وقف القتال عام ٢٠٠٣ بين «القوات الوطنية» التي يقودها غيوم سورو الذي تحالف مع واتارا، والقوات الحكومية، يدلّ، إن لزم الأمر، على التوجه نحو عودة القتال الداخلي على نحو أوسع. وقد أشار بيان لقوات الأمم المتحدة إلى هذا الخطر، وشدد على أن عودة القتال إلى هذه المنطقة، وخصوصاً استعمال الأسلحة الثقيلة، تعني عودة عدم الاستقرار في جميع المناطق العاجية، أي باختصار عودة الحرب الأهلية.
ويرى عدد من المراقبين أن «اختيار غيوم سورو ليرأس أول حكومة لواتارا» لم يكن اختياراً موفّقاً البتة، إذ إنه بدا كأنه يعلن «انتصار القوات الوطنية التي يرى العديد من العاجيين أن وراءها تدخل الجارة بوركينا فاسو»، حسب ما قال لـ«الأخبار» أحد الدبلوماسيين الأفارقة في جنيف. ويعطي الدبلوماسي مثالاً على أن «القتال هو بين غباغبو وسورو» ما يحصل في «أدوبو»، وهي ضاحية في شمال أبيدجان يسكنها مؤيدون لوتارا يطلق عليها اسم «بغداد»، بسبب العنف المستعر فيها، وخصوصاً في ما بات يعرف بـ«المربع ١٨». ويقول الدبلوماسي إن مسلحين مقرّبين من سورو تسللوا إلى هذا الحي، وبدأوا بمهاجمة قوات الأمن التي يسيطر عليها غباغبو، وقد قتلوا عشرات منهم في عمليات مباغتة، ما دفع بقوات غباغبو إلى مهاجمة الحي والطلب من قاطنيه، مؤيّدي وتارا، إخلاءه، تمهيداً لقصفه بأسلحة ثقيلة، والقضاء على مجموعة المقاتلين المنتمين إلى جبهة سورو.
ويرى المراقبون في تصاعد دور سورو الحربي أحد أسباب تردّد الدول الأفريقية في حسم النزاع لمصلحة وتارا بقوة السلاح، وخصوصاً أن سورو بدا في مؤتمره الصحافي الأخير كأنه يشكّك في قدرة الهيئة التي ألّفها الاتحاد الأفريقي (التي يرأسها الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، وتضم كلاً من الرؤساء جاكوب زوما من جنوب أفريقيا وإدريس ديبي من تشاد وجاكايا كيكويتي من تنزانيا وبليز كومباوري من بوركينا فاسو) على إيجاد حل، إذ قال إنه «لا يعتقد بإمكان نجاحهم»، وبرر ذلك بأن غباغبو «الذي ذهب بعيداً، يريد تقاسم السلطة». وفي الواقع، فإن تقاسم السلطة، أي اعتراف غباغبو برئاسة وتارا، يعني بطريقة ما إبعاد سورو عن موقع رئاسة الوزراء، وهو ما يراه البعض أحد أسباب توتّر جماعة هذا الأخير وعودة موجة العنف.
وقد يبرر هذا أيضاً تردّد القوى الأفريقية في استعمال العنف لطرد غباغبو. وقد شدد وزير الخارجية النيجيري أودين أجوموغوبيا على أن أي عمل عسكري لطرد لوران غباغبو من السلطة في ساحل العاج يجب أن يوضع «تحت سلطة الأمم المتحدة». وأعطى الوزير النيجيري أمثلة على استعمال القوة، مثل «فرض حصار تام من أجل تطبيق العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي وأعضاء آخرون في الأسرة الدولية، والتي حصلت على دعم المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا». ويقول عدد من الدبلوماسيين الأفارقة إن التردد بات سيد الموقف، مع تخوّف من اندلاع عنف يتجاوز الحدود العاجية، وهو ما يبرر تمنّع دول المحيط، مثل غانا وغينيا وليبيريا وبنين، عن الدعوة إلى استعمال العنف، ويرى هؤلاء في تصريح أجوموغوبيا الأخير ابتعاد لاغوس عن تيار المطالبين باستعمال العنف الذين تتصدّرهم بوركينا فاسو.