لم تكن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير للجمهورية الإسلامية عادية، على مستويات مختلفة وكثيرة، فقد حظيت بخصوصية كبيرة، إن كان على مستوى الاستقبال الإيراني أو على مستوى أداء الرئيس الروسي نفسه، الذي وجه، من خلال أدائه، رسائل متعددة الاتجاهات، تتمحور كلها حول حقيقة واحدة: روسيا تتجه لتعزيز التحالف مع إيران.


سجل بوتين عدّة اختراقات للبروتوكول المتعارف عليه في أثناء الزيارات الدبلوماسية، كان أبرزها بتوجهه مباشرة للقاء المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، قبل لقائه نظيره الإيراني حسن روحاني لإجراء مراسم الاستقبال، كما هي العادة.
بدأت الخصوصية الكبيرة التي حظيت بها هذه الزيارة، بوصول أسطول جوي روسي كان على متنه موكب الحماية الروسي وعدد كبير من الصحافيين والمرافقين، إضافة إلى صندوق أخضر كبير حمله رجلان إلى سيارات الموكب، فتح الباب أمام تساؤلات كثيرة عن محتوياته. انطلق الموكب من مطار مهراباد غرب العاصمة إلى وسطها، حيث مقر إقامة المرشد الأعلى. الإجراءات الأمنية سمحت للرئيس الروسي بالوصول سريعاً، بعيداً عن زحمة السير الخانقة في العاصمة، فأغلقت الشوارع في ساعات مرور المواكب الرئاسية. هناك أُنزل الصندوق وأدخل إلى قاعة اللقاء ليكشف سرّه، بعدما أُخرجت منه نسخة خطية قديمة جداً من القرآن الكريم، حملها بوتين من موسكو إلى طهران ليقدمها إلى خامنئي. هدية رمزية حملت دلالات كبيرة على عمق معرفة الرجل الروسي بالعقلية والاهتمام الإيراني، وأوحت بأن روسيا التي تحتضن عدداً كبيراً من المسلمين، حاضرة للتعاون مع القوى الإسلامية لمواجهة الإرهاب.
بوتين استبق زيارته طهران برفع الحظر المفروض على بيع وتسليم معدات تكنولوجية مرتبطة بالطاقة النووية، ولا سيما لموقعي فوردو وآراك النوويين الإيرانيين، عملاً بالاتفاق النووي، فيما أعلن السفير الإيراني لدى موسكو مهدي صانعي أن موسكو بدأت إجراءات تزويد إيران بنظام صواريخ "اس-300" المضادة للصواريخ، التي كان قد وقّع البلدان اتفاقاً بشأنها في التاسع من تشرين الثاني.
لكن الخرق الآخر الذي سجّله خلال الزيارة، تمثل بتأخره ساعة عن اجتماع قمة منتدى الدول المصدرة للغاز المنعقدة في طهران، بسبب لقائه المطوّل والاستثنائي مع خامنئي، الذي امتد على مدى ساعتين يمكن وصفهما بالتاريخيّتين، خصوصاً أنّ هذه المدة تُعَدّ سابقة في إطار لقاءات المرشد الأعلى مع زعماء الدول.
بعد اللقاء، أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن روسيا وإيران لديهما "وجهة نظر واحدة بينهما، في مواجهة الطابع غير المقبول لمحاولات خارجية لإملاء فرضيات حول تسوية سياسية في سوريا"، وتؤكدان أن أي تغيير في القيادة يجب أن يأتي عبر انتخابات. وأضاف أن الاجتماع كان "بنّاءً جداً"، جرى خلاله "تبادل موسع للآراء بأدق التفاصيل".
كذلك نقلت لقطات تلفزيون تصريح بوتين خلال الاجتماع بأن "لا أحد يمكنه، أو يجب أن يفرض من الخارج على الشعب السوري، أي شكل من أشكال الحكم لدولته أو القول من ينبغي أن يتولى قيادتها. الشعب السوري فقط هو من يقرّر" ذلك.
من جهته، رأى خامنئي أنّ المخطط الأميركي البعيد الأمد للمنطقة يضرّ بجميع الشعوب والدول، وخصوصاً إيران وروسيا، داعياً إلى العمل بوعي وتعاون أوثق لإحباط هذا المخطط. ووصف بوتين بأنه شخصية بارزة في عالم اليوم، ووجه الشكر والتقدير إلى جهود روسيا في القضية النووية الإيرانية، وقال إن هذه القضية وصلت إلى نتيجة، ولكنه أضاف: "إلا أننا لا نثق أبداً بالأميركيين ونراقب بعيون مفتوحة سلوك وأداء الحكومة الأميركية في هذه القضية".

بوتين استبق زيارته برفع الحظر على معدات تكنولوجية مرتبطة بالطاقة النووية


وفيما أشاد بالحضور الروسي المؤثر في القضايا الإقليمية، خصوصاً في سوريا، أشار إلى التعاون المناسب بين طهران وموسكو على الصعد السياسية ــ الأمنية، ووصف مواقف الرئيس الروسي، خصوصاً خلال العام ونصف العام الأخير، في مختلف القضايا بأنها جيدة جداً ومبدعة. وقال إن "الأميركيين يسعون دائماً إلى جعل منافسيهم في موقع الانفعال، إلا أنكم أحبطتم هذه السياسة".
ورأى خامنئي أن "قرارات وإجراءات موسكو في القضية السورية أفضت إلى تعزيز مكانة روسيا الإقليمية والعالمية، والسيد بوتين شخصياً". وأكد أن "الأميركيين وأذنابهم يريدون في القضية السورية تحقيق أهدافهم سياسياً، وعند طاولة المفاوضات، بعدما فشلوا في تحقيقها عسكرياً، لذا ينبغي التصدي لهذا الأمر بوعي ومن موقف فاعل".
في غضون كل ذلك، انتظر الجميع وصول بوتين إلى قصر المؤتمرات شمالي طهران، حيث تعقد قمة الدول المصدرة للغاز. هناك افتتح الرئيس الإيراني حسن روحاني مؤتمر القمة الرئاسية، حيث تحدّث الرؤساء وفق الترتيب الأبجدي لأسماء بلدانهم، وتمحورت الكلمات حول تفعيل العمل المشترك في مجال الغاز وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتنفيذ المشاريع الطموحة لأنابيب الغاز باتجاه الشرق وأوروبا.
كذلك، شدّدت الكلمات على ضرورة إيجاد بيئة آمنة للاستثمار، وهو أمر غير موجود بفعل الحروب الدائرة في المنطقة، فسوريا هي محور مرور الغاز للجميع، تريدها روسيا وإيران للوصول إلى سواحل المتوسط، وتنظر إلى قطر كمحطة أساسية للعبور إلى أوروبا، فيما ترى تركيا عقبة أساسية تمثلت في إقرار المشروع الايراني بمد أنابيب الغاز من خلال العراق باتجاه الشواطئ السورية، ما يضعف الأحلام التركية في حصة من الغاز أو الاستفادة من عمولة مرور الأنابيب عبر أراضيها.
فاحت من القمة الاقتصادية رائحة السياسية، من خلال لقاءات ثنائية بعيداً عن هموم الغاز. أما مكافحة الإرهاب فقد كانت أولوية، تربعت على جدول أعمال اللقاءات التي دارت خلف أبواب مغلقة في الجناح المخصص لاستقبال الرؤساء في المبنى الملاصق لقصر المؤتمرات. لقاءات ستكون لنتائج مباحثاتها آثار على صعيد المنطقة، خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
بعد القمة، عقد الرئيسان الروسي والإيراني مؤتمراً صحافياً، أعلن فيه بوتين أنه يريد تعزيز العلاقات التجارية مع إيران. وقال إن "هناك خططاً لإقامة منطقة تجارة حرة بين الاتحاد الاقتصادي، الذي تقوده موسكو لدول الاتحاد السوفياتي السابق، وإيران، فضلاً عن زيادة استخدام العملة الوطنية في التجارة مع طهران".
من جهته، صرح روحاني بأن بلاده تسعى إلى زيادة التعاون مع موسكو، في قطاعات الطاقة والبنوك والنقل. وقال إن "هناك مشاريع كثيرة في قطاع النفط والغاز وفي الكهرباء يمكن أن نعمل فيها معاً". وأضاف: "ناقشنا أيضاً زيادة العلاقات المصرفية كأحدة أعمدة علاقاتنا المشتركة".
كذلك أشار إلى أنه جرى توقيع عدة مذكرات تفاهم، بما يظهر "تنامي العلاقات بين إيران وروسيا، يوماً بعد يوم".
(الأخبار)