باريس | باتت فرنسا أول دولة في العالم تعترف بالمجلس الانتقالي الوطني الليبي، بعد استقبال الرئيس نيكولا ساركوزي لمبعوثيه علي العيساوي ومحمود جبريل في الإليزيه أمس. ولكن لا يستطيع أحد تفسير موقف باريس المتقدم في الملف الليبي. فلا رابط استعمارياً بين البلدين، كما هي الحال مع إيطاليا، ولا زخم مهاجرين يضغط على السلطات الفرنسية، كما الوضع مع تونس أو الجزائر أو المغرب.


وحسب الأرقام التي بدأت تتكشف، فإن العلاقات التجارية بين فرنسا وليبيا تجعل من باريس الشريك الرابع من حيث أهمية التبادل التجاري الذي بلغ ٤ مليارات دولار، إذ إن «كل وعود القذافي» التي جاءت بعد تبادل الزيارات لم تنفّذ تماماً.
إلا أن ظهور «الفيلسوف الناشط» برنار هنري ليفي على درج الإليزيه، حيث تبيّن أنه رافق الموفدين وحضر الاجتماع مع ساركوزي، يفسر رغبة فرنسا في استعادة المبادرة، بعد التردّد الذي شاب مواقفها في بداية الثورة الليبية. وقد أعلن ليفي «أن فرنسا باتت أول دولة تقول إن القذافي لم يعد الممثل الشرعي لبلده». ووصف الأمر بأنه «عظيم»، وأن قاطن الإليزيه قد «أوضح هذا الأمر بقوة في بداية اللقاء». وأضاف أن المبعوثين «فوجئا بوضوح الموقف الفرنسي».
ويبدو أن «استعمال» ساركوزي لـ«وزن برنار هنري ليفي»، الذي عاد لتوّه من بنغازي، في هذه العملية، يرمي إلى سحب البساط من تحت أقدام منتقديه من الجمعيات الناشطة، إذ إن صور ليفي إلى جانب الثوار في مناطق القتال ملأت صفحات مجلات نهاية الأسبوع، وتتسابق الأقنية على استقباله ليتحدث «عن مشاهداته على الأرض».
من جهته، أكد العيساوي، على درج الإليزيه، مسألة الاعتراف، وأنه «سيُفتح مكتب تمثيلي دبلوماسي في فرنسا» بناءً على هذا الاعتراف. كذلك أوضح أن فرنسا سترسل سفيراً إلى بنغازي «مؤقتاً» ريثما تستتبّ الأمور. إلا أن مصادر مقرّبة من الإليزيه أفادت بأن هذا «الاعتراف سياسي وليس قانونياً، لأن الاعتراف يكون بين حكومات». وقد أشار جبريل إلى أن ساركوزي سيبحث اليوم في قمة بروكسل، المخصصة لليبيا، «وضع استراتيجية شاملة» من أجل «مساعدة المجلس الانتقالي وإنقاذ مستقبل ليبيا».
وفي بروكسل، جاء أكثر من تصريح على هامش اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ليدل على إجماع أوروبي على أن «العقيد قد فقد صفة المحاور الشرعي». وقد طالب وزراء، في تصريحات متفرقة، بـ«رحيله». وزير خارجية ألمانيا غيدو فيسترفيلد أكد عزم بلاده على العمل من أجل «مقاطعة القذافي». وقد ذكرت مصادر أوروبية أن الاتحاد يودّ «توجيه رسالة قوية» مفادها أنه «يجب تمكين الشعب من التحكم في مصيره». وأضاف أن أوروبا جاهزة للمساعدة.
وفيما سرّبت مصادر فرنسية أن ساركوزي سيعرض على نظرائه في الاتحاد «توجيه ضربات جوية ذات أهداف محددة» إلى مواقع القوات الموالية للديكتاتور، وفرض «تشويش على أنظمة الاتصالات والرادارات الليبية»، رأى عدد من الوزراء الأوروبيين أن «الوقت لا يزال مبكراً للحديث عن عمل عسكري» ضد ليبيا، وأن الأهمية القصوى الآن هي لمتابعة المساعدات الإنسانية وتوفيرها. أما بالنسبة إلى إمكان حظر الطيران فوق البلاد، فقد أكد أكثر من وزير أن «موافقة الجامعة العربية ستأتي خلال أيام، وأن هذا من شأنه تسهيل قرار الأمم المتحدة، وخصوصاً إذا جاء الطلب من المجموعة العربية».
إلا أن هذا لم يخفف من نشاط بريطانيا وفرنسا في العمل على استصدار قرار. ويرى مراقبون أن «إعلان ساركوزي وقوفه مع الثوار»، قبل اجتماع بروكسل، هو نوع من «وضع حلفائه أمام الأمر الواقع»، ودفعهم إلى القبول بحدّ أدنى من مقترحاته. وعلمت «الأخبار» أن الوفد الفرنسي سيتطرق مع نظرائه إلى «خطر الهجرة الكثيفة»، بسبب عدم الاستقرار، واقتراح حلول لها، وهو مواكبة للمطالب الإيطالية التي تجد وقعاً وصدى في الساحة الداخلية الفرنسية. كذلك فإن ساركوزي يودّ التشديد على دعم المساعدات الإنسانية وجعلها «مهمة دولية تحت وصاية الأمم المتحدة».
ويرى الخبراء أن تثبيت حركة المساعدات الإنسانية في «المناطق المحررة» يجعل أي هجوم عليها بمثابة هجوم على الأمم المتحدة. كذلك تتداول مصادر مقرّبة من ساركوزي سعيه إلى «تقديم فكرة حظر تصدير النفط من المناطق التي يسيطر عليها القذافي». إلا أن عدداً من المراقبين يتخوفون من أن «تثبت هذه الخطط تقسيم ليبيا بين شرق وغرب»، إذ إن السماح بتصدير النفط من المناطق المحررة، وإعطاءها غطاءً دولياً، وحصر المساعدات الإنسانية فيها، يمكن أن يقود إلى تقسيم غير معلن، وخصوصاً أمام عجز الثوار عن التقدم غرباً، واعتراف القوى الغربية بأن حظر الطيران لن يساعد في ترجيح كفّتهم.
كذلك يتخوف هؤلاء من ظهور برنار هنري ليفي إلى جانب مندوبي المجلس الانتقالي في الإليزيه، ويذكّرون بأن كل مرة شارك فيها «الفيلسوف» الصهيوني في صراع، ذهب الأمر إلى حدّ تقسيم بلد الصراع. فهو «فعلها» من تيمور الشرقية إلى جنوب السودان، مروراً بكوسوفو.
ورغم أن مواقفه «الأدبية المعلنة» كانت معادية للديكتاتور القذافي، إلا أن له مواقف في صراعات أخرى، مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يمكن أن تنعكس سلباً على الثورة العربية الليبية، وتمثّل إشارة إلى انفصالها عن الثورات العربية الأخرى.