باريس | هل بدأ الحظّ يبتعد عن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي؟ سؤال لا يطرح بسبب سياسته الداخلية التي دفعت به إلى حضيض الشعبية، بل لأن الزلزال التاريخي الذي شهدته اليابان أدى إلى «انهيار وهم الأمن والسلامة» الذي كان حتى الأمس القريب يكلل المفاعلات النووية. فمن المعروف أن ساركوزي وضع نصب عينيه «جعل فرنسا تاجر النووي السلمي» الرقم واحد في العالم، وأنه حالما دخل إلى قصر الإليزيه وضع جل اهتمامه تسويق النووي الفرنسي. واليوم إما بسبب الثورات العربية أو الخوف من النووي، تلاشت كل هذه الآمال بالعقود التي بنى عليها الرئيس الفرنسي مجد «تسويق التصدير الفرنسي»، وضاع حلم الأرقام الكبرى بالمليارات في المؤتمرات الصحافية.

أول اتفاق كان مع المغرب في تشرين الأول ٢٠٠٧ لمناسبة أول زيارة لساركوزي إلى المملكة، وآخر اتفاق وقّعته حكومة فرانسوا فييون، قبل التغيير الوزاري الأخير، كان مع المملكة العربية السعودية في شباط من هذه السنة. ولكن بين الاتفاقين، كان هناك عدد من المحاولات وعدد أكبر من الاتفاقات، التي كانت أهدافها سياسية، لكنها لم تحقق أي تقدم على طريق التنفيذ. هكذا كان الوضع من الهند التي وقّعت عام ٢٠٠٩ اتفاقاً لشراء ٦ مفاعلات نووية، سال لها لعاب الصناعيين ليتبيّن بعد ذلك أن نيودلهي لم توقّع بالأحرف الأولى إلا لاستفزاز المنافس الأميركي ولتنتزع اعترافاً بحقها بتطوير صناعتها النووية والتعاون مع الغرب، وهو ما حصل بالفعل إذ وقّعت واشنطن معها اتفاق تعاون، وحتى اليوم لم تتجسد الطلبات بتوقيع عقد نهائي.
مع الصين، لم يختلف الأمر إلا من حيث الأهداف، فمن المعروف أن بكين لا توقع اتفاقاً ما لم يكن له «تبعات سياسية». وهكذا تحدثت الصحافة، منذ وصول ساركوزي إلى الإليزيه، عما لا يقل عن ٢٠ مليار يورو من العقود، بينها اتفاقان للتعاون النووي مع شركة «أريفا» الفرنسية. إلا أن مقربين من هذا الملف يؤكدون أن ما يطلبه الصينيون هو «نقل كامل لتكنولوجيا بناء المفاعلات وفصل الوقود»، وهو ما يمانع عدد من الخبراء الفرنسيين القبول به، والذي قد يفسر «التأزم الحاصل».
وفي خضم هذا الصراع أيضاً، خسرت باريس في مطلع السنة الماضية «عقد العصر» مع الإمارات لبناء مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء لمصلحة كوريا الجنوبية بسبب فارق الأسعار. إلا أن الاتفاقات السياسية جاءت تعوض على التراجع التجاري مباشرة بعد المؤتمر الدولي للطاقة النووية الذي عقد في باريس لتشجيع «النووي المدني». وقد انتظرت الجزائر اعتراف فرنسا بمسؤوليتها في إصابة المئات من الجزائريين من جراء التجارب النووية في الصحراء إبان فترة الاستعمار، وإعلان استعدادها لدفع تعويضات حتى توقّع عقداً بالأحرف الأولى لشراء مفاعل نووي يثير غيظ أكثر من طرف سياسي في الجزائر، بسبب إمكانات هذا البلد في الطاقة، ما يعفيها من الانطلاق في مغامرة نووية، وخصوصاً أن البلاد موجودة، مثلما هي حال اليابان، على تقاطع لوحتين جيولوجيّتين قاد تصادمهما إلى هزات قوية، كان آخرها في السنة الماضية في بويرة، وفي عام ٢٠٠٣ قرب العاصمة حيث قتل ما يزيد على ١١٠٠ شخص، مع التذكير بزلزال الأصنام عام ١٩٨٠ الذي قتل ٣٠٠٠ شخص. كل ذلك قاد إلى وصف هذا الاتفاق بالسياسي. وهو كذلك مع ليبيا التي دخلت على الخط ووقّع وزير الصناعة كريستيان استروزي مع وزير الاقتصاد الليبي محمد الهويدي اتفاقاً لبناء مفاعل نووي في تشرين الثاني من السنة الماضية. والجدير بالذكر هنا أن طرابلس القذافي وقّعت اتفاقات مماثلة مع روسيا وكندا وأوكرانيا، ما يدلّ إن لزم الأمر على استعمال الديكتاتوريين للعقود الطنانة الرنانة لكسب «عذرية سياسية» مع الغرب.
وقبل شهرين في مطلع هذه السنة، نشرت مصر دفتر شروط لشراء مفاعل نووي، أشار العديد من المراقبين إلى أن «ثمن مشاركة رئاسة الاتحاد من أجل المتوسط» سوف يكون شراء المفاعل الفرنسي. حتى سوريا، لم يتردد ساركوزي بـ«مغازلتها نووياً» في فترة انفتاحه على عاصمة الأمويين، وتحدث عن ضرورة مساعدتها على تأمين مصادر طاقة لمواكبة نمو استهلاك الكهرباء، فضلاً عن أن عقوداً كانت موقّعة مع تونس منذ عام ٢٠٠٦ بدأ العمل بالتحضير لها في تشرين الثاني ٢٠٠٨، بينما أكد علي عبد الله صالح في زيارته الأخيرة لساركوزي أن الاتفاق الموقّع مع فرنسا في آب ٢٠٠٧ والذي ينص على «التعاون لبناء مفاعل نووي يسد احتياجات اليمن» سوف يوضع حيّز التنفيذ.
اليوم، إذا نظرنا إلى الوراء نرى أن القليل فقط من هذه العقود أوصلت إلى نتائج إيجابية على الصعيد التجاري بعد أربع سنوات من حكم ساركوزي. وتأتي الكارثة النووية في اليابان لتمنع الرئيس من استعمال هذه «الحجج النووية» في مسار التحضير لحملة انتخابية جديدة، وخصوصاً أن خصومه سوف يلوّحون أمام ناخبيه بالعقود الموقّعة مع ديكتاتوريين باتوا اليوم في أدراج ذكريات التاريخ.