في أوائل التسعينيات كان بيتر كينغ، نائب نيويورك، الضيف الدائم على المركز الإسلامي في لونغ آيلند. يلقي المحاضرات، يوقّع كتبه في قاعة الصلاة، ويشارك بعض رجال الدين وروّاد المركز أعراسهم وموائدهم في المنازل. كينغ، كان أيضاً من بين النواب الجمهوريين القلائل الذين دعموا تدخّل الولايات المتحدة الأميركية في البوسنة وكوسوفو لمساعدة المواطنين المسلمين. مسجد ويستبوري منحه جائزة تكريمية تقديراً لمواقفه، وكبار الشخصيات المسلمة دعمت مادياً حملاته الانتخابية. صورة كينغ وهو يقصّ شريط افتتاح أكبر قاعة للصلاة ظلّت تتصدّر مدخل المسجد لسنوات... ثم جاءت أحداث 11 أيلول. هكذا يروي أصدقاء كينغ السابقون من الأميركيين المسلمين قصتهم مع النائب الجمهوري، ويعبّرون عن صدماتهم المتكررة من مواقفه الجديدة منذ 2001. هؤلاء يقولون إن ما دعا إليه كينغ أخيراً «مسّ بهم شخصياً».

ما دعا إليه كينغ أخيراً، بصفته رئيس لجنة الأمن القومي في الكونغرس، هو فتح نقاش في التطرّف الديني لدى المسلمين الأميركيين وإطلاق الإنذار من نموّ الإرهاب في تلك البيئات التي تُحسب على «المجتمع الأميركي». تحذيرٌ من إرهاب داخلي يغذيه مسلمو أميركا ويمثّل خطراً على الأمن القومي.
«الإسلام والإرهاب والأمن القومي» ليست «خلطة» جديدة على مسامع الأميركيين، مواطنين كانوا أو سياسيين أو أمنيين. وقبّة الكابيتول شهدت نقاشات حول الإسلام والإسلاميين منذ عام 2006 تمحورت حول تأثر الإرهابيين بالفكر الإسلامي، وازدياد تطرّف الجالية المسلمة في الولايات المتحدة، وحول جذور العنف في أيديولوجية الإسلاميين. جوّ خلقته ـــــ سياسياً وأمنياً وإعلامياً ـــــ إدارة جورج والكر بوش، بعدما حدّدت «أشرار العالم» وركّبت «محوراً» لهم وكرّست الـ«إسلاموفوبيا» كالظاهرة الاجتماعية ـــــ السياسية الأبرز في مستهلّ القرن الحادي والعشرين. هو جوّ المنشورات التي حملت شعار «لا مسلمين ـــــ لا إرهاب» والتي وزّعت في مختلف الولايات وألصقت على هياكل السيّارات بعيد هجمات 11 أيلول 2001. جوّ لم ينته مع مغادرة بوش وإدارته الحكم، وها هو يعود مجدداً ليلعلع في الشوارع والإعلام والمنابر الرسمية منذ أن جاء «ذلك الأسود ذو الأصول المسلمة» إلى سدّة الرئاسة. اليمين الأبيض لم يهضم ذلك بعد.
في تشرين الثاني 2007، كتب روبرت ساتلوف في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»: «بقي لبوش 15 شهراً ليربح «معركة الأفكار» التي أطلقناها. وإن لم يستطع فعل ذلك فيجب عليه، على الأقلّ، أن يضمن بقاء أميركا في المعركة». وهذا بالضبط ما حصل ويحصل في أميركا التي عادت تتخبط في معارك العنصرية والتمييز والعزل والتقسيم تحت شعار «محاربة الإرهاب». والإرهاب بالنسبة إلى الولايات المتحدة لم يعد منتجاً في الخارج، بل بذوره تنمو أعشاباً ضارّة على أرض الوطن... لذا يجب اقتلاعها في أسرع وقت. هذا هو هاجس قسم من المجتمع والقيادات الأميركية حالياً. وهذا ما ظهر أخيراً في جلسات الاستماع بشأن التطرف الإسلامي الأسبوع الماضي والجدال الذي دار حولها.
الهجوم على قاعدة «فورت هود» في تكساس عام 2009 الذي نفّذه الضابط المسلم الفلسطيني نضال مالك حسن، ومحاولة تفجير ساحة الـ«تايمز» في نيويورك عام 2010 من المسلم الباكستاني فيصل شاهزاد (كما أفادت التحقيقات الأميركية)، ومشروع بناء مسجد جديد في نيويورك... كل ذلك أسهم في تثبيت المخاوف لدى الفريق المقتنع بمسؤولية الدين الإسلامي عن العمليات الإرهابية، وبخطورة تغلغله في المجتمع الأميركي.
والهمّ الأكبر الذي أضافه بيتر كينغ إلى مجموعة الهواجس تلك، هو «واقع عدم تعاون المسلمين مع السلطات الأميركية لتطبيق قانون مكافحة الإرهاب». إذاً فالأميركيون ـــــ المسلمون هم ليسوا مشاريع إرهابيين فحسب، بل متآمرون على الدولة وخونة.
لكن الصحف الأميركية التي رفضت في معظمها عنوان جلسة الاستماع من أساسه وقللت من أهمية ما جاء فيها ولامت رئيس اللجنة على فتح الملف، ردّت على الفريق المهاجم بحجج وتحليلات ثاقبة، أهمّهما بشأن «عدم التعاون في تطبيق القانون»؛ إذ أوردت معظم الصحف الأميركية نتائج دراسة رسمية تشير إلى أن 40% من الجرائم الارهابية التي كُشف عنها داخل الولايات المتحدة جاءت بمساعدة من مواطنين مسلمين، الأمر الذي دفع ضابط شرطة لوس أنجلس، الذي شارك (بدعوة من الديموقراطيين) في الجلسة، إلى التأكيد أن المسلمين الأميركيين هم «حرصاء على أمن البلد كأي مواطن أميركي آخر، إذ لا أحد منهم يريد أن يفَجَّر منزله أو مسجده».
وفيما وصفت افتتاحية «نيويورك تايمز» جلسة كينغ عن «التطرف الإسلامي» بالـ«سخيفة والاستفزازية والجارحة» والتي تنشر «الكراهية والخوف» في المجتمع، انتقدت الصحيفة، كما زميلتها «واشنطن بوست»، النقاط التي طرحتها الجلسة ابتداءً من حصر التطرف والإرهاب بالمسلمين فقط. عدد كبير من الصحافيين لفت أيضاً إلى عدم دقّة كلام كينغ في الحديث عن «المسلمين» وكأنهم كتلة واحدة أو عيّنة صغيرة من لون وفئة واحدة. مقالات أخرى ركّزت على تجاهل كينغ والمؤيدين لطرحه كل الظواهر المتطرفة الأخرى، وعدّد البعض الجرائم والاعتداءات الإرهابية التي نفذها أميركيون مسيحيون، وذكّر آخرون بأن لا موطن أو هوية محددة للإرهابي.
سياسياً، تحت عنوان «التطرف الإسلامي»، اتهم الجمهوريون الديمقراطيين بأنهم «يضحّون بأمن البلد ويبتعدون عن المنطق السليم، مقابل التمسك بالـ«صواب السياسي المتطرف» أو Political correctness. عدد كبير من المقالات ذكّرت بفترة «المكارثية» التي سادت في أميركا خلال الحرب الباردة والتي تميّزت بهوس ملاحقة وتخوين الشيوعيين من الأميركيين. وفي هذا السياق قال النائب الديموقراطي عن ولاية ميتشيغان خلال جلسة الاستماع إنه «وضع صورة السيناتور جو ماكارثي أمامه على الحائط خلال جلسات الاستماع لكي يتذكر دائماً الوجه الذي لا يريد أن يشبهه».
«مسلمٌ صعد على المنصّة! مسلمٌ أدلى بشهادته» صرخت النائبة الديموقراطية عن ولاية تكساس بعد أن أنهى المشاركون المسلمون مداخلتهم في الجلسة وأضافت: «أين هم إذاً المسلمون غير المتعاونين؟».