ما يجري في البحرين من تدخل سعودي بغطاء خليجي يبدو عصياً على الهضم في طهران. صحيح أن هناك حرصاً في العاصمة الإيرانية على عدم الإيحاء بعِظم هذه القضية، على المستوى الرسمي على الأقل. لكن التساؤلات والمعلومات المتداولة في الكواليس تفصح عما لا يقوله الفم، لكن تشي به العيون. التوصيف واضح: محاولة لتكرار السيناريو الذي فشل في لبنان، في البحرين.


والخلاصة أكيدة: لن تقف الجمهورية الإسلامية متفرجة. وإذا كانت البحرين قضية «أمن قومي» بالنسبة إلى السعودية، فهي بالنسبة إلى إيران جزء من الكينونة، تجمع بينهما روابط تاريخية وعقائدية ورؤية استراتيجية. من هنا، المفاجأة في تجرؤ السعودية على الإقدام على خطوة كهذه. والأدهى أنها وُضعت، ولو على مستوى الإعلام السعودي، في خانة «الرسالة الموجهة إلى إيران». وكأن الرياض تقول، في خطوتها تلك: «ها أنذا تجرأت وتجاوزت الخطوط الحمر، فماذا ستفعلون؟».
بهذا المعنى يصبح التدخل العسكري السعودي في البحرين محاولة لإدخال تعديلات على توازنات المنطقة، لرسم خطوط حمر جديدة، أو بالحد الأدنى لإزاحة تلك الموجودة أصلاً، بحسب إحدى القراءات في طهران. باختصار، لفرض واقع جديد يضع إيران أمام أحد خيارين: إما الإذعان والقبول، وبذلك يكون التدخل العسكري قد حقق أهدافه، أو الانجرار إلى خطوة عسكرية وإشعال الفتنة المذهبية، وبذلك يكون التدخل قد حقق الهدف المرجو منه أيضاً.
صنّاع القرار في إيران يبحثون عن أجوبة لأسئلة متعددة تعصف بأذهانهم: إذا كانت نية دول مجلس التعاون، ومن معهم، حل الأزمة السياسية في البحرين، أفلم يكن الأجدى بهم ممارسة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على السلطات البحرينية للاستجابة لمطالب المحتجين؟ أو على الأقل كانوا تركوا الأمور للبحرينيين أنفسهم لكي يحلوها مع الحرص على الحؤول دون تدخل أحد بالشؤون الداخلية البحرينية؟ كيف دخل السعوديون مغامرة كهذه في ظل تضعضع الوضع داخل المملكة؟ وهل هناك من يدفع بالأمور نحو الصدام الإقليمي؟ ما المصلحة في ذلك؟ وما الهدف؟
الاقتناع الأول الذي يمكن تلمسه في كواليس طهران يقوم على تقدير أن «الهدف يبدو واضحاً، إنه تدويل الأزمة البحرينية، وجر القوات الأجنبية إلى الخليج»، كأنها «إعادة تكرار للسيناريو الذي فشل في لبنان، لكن في تلك المملكة الخليجية، في محاولة لإثارة فتنة سنية – شيعية في المنطقة». بكلام آخر «عسكرة البحرين وإثارة الفتنة فيها ومحاولة جر إيران إلى هذا الفخ، كي لا يجرؤ أحد على الإتيان بأي حراك داخل السعودية نفسها»، في ظل تسريبات بلغت العاصمة الإيرانية عن أن السلطات السعودية استقدمت وحدات عسكرية باكستانية شيعية مهمتها قمع أي اضطرابات يمكن أن تندلع في المناطق السنية السعودية، على أن تترك لقوات المملكة قمع الاضطرابات في المناطق الشيعية، وخصوصاً المنطقة الشرقية.
هذا على المستوى الضيق. أما من ناحية القراءة الأكثر شمولية، فيتساءل الإيرانيون «عمن يمنع سقوط الطاغية في ليبيا ويزوّده بالسلاح والعتاد، ومن يحمي عرش الملك في البحرين؟». هم مقتنعون بأنها «لعبة لسرقة الثورات المتنقلة في ربوع المنطقة. الآخرون باتوا مقتنعين بأن تصاعد هذه الثورات لن يزيد إيران إلا قوة ويحوّلها إلى قوة عظمى إقليمية، لذلك هم يعمدون إلى إخمادها، على أن تدور الدائرة في وقت لاحق، ويلتفون على ثورتي مصر وتونس كي لا تتحالفا مع إيران والمقاومة».
المعلومات المتداولة في الأروقة المعنية في العاصمة الإيرانية تتحدث عن «مؤامرة ثلاثية الأركان: الركن الأول فيها وزير الحرب الأميركي روبرت غيتس. والركن الثاني فيها وزير الفتن جيفري فيلتمان. أما الركن الثالث فالجناح السديري السعودي، الذي يرمز إليه بالأمير بندر بن سلطان». وتضيف المعلومات نفسها أن «قرار دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين كان قراراً أميركياً وليس خليجياً ولا سعودياً، بدليل أنه كانت هناك دعوة إلى وزير الخارجية علي أكبر صالحي لزيارة السعودية وكان أحد المواضيع الرئيسة على بساط البحث الملف البحريني»، بل إن المعلومات نفسها تشير إلى «مشادة حصلت بين الملك عبد الله ووزير الداخلية الأمير نايف بشأن هذا الموضوع»، خلفيتها أن «الملك ليس متحمساً لخطوة كهذه على قاعدة أنه لا يريد تكرار التجربة المرّة التي حصدها في لبنان». وتتابع «في المقابل، فإن السديريين يبدون مصممين على إيجاد الشرارة المناسبة لإثارة فتنة سنية – شيعية تعزز الإيرانوفوبيا والشيعفوبيا».
غير أن التسريبات الواردة من السعودية تفيد بعكس ذلك. «لا خلاف من أي نوع داخل الأسرة المالكة بشأن التدخل في البحرين» تقول مصادر قريبة من السلطات السعودية، مستدلة على صحة معلوماتها باجتماع مجلس الأمن الوطني السعودي أول من أمس برئاسة الملك عبد الله «الذي يبدو، لسوء الحظ، أكثر حماسة من الآخرين. وكالعادة كان قرار التدخل متخذاً قبل الاجتماع». واجتماع مجلس الأمن الوطني، الذي يشار إليه تجاوزاً بطاولة السديريين برئاسة الملك عبد الله، لا يُعقد إلا نادراً لبحث قضايا كبرى. وتضيف المصادر نفسها أن «القرار كان سعودياً بامتياز»، مشيرة إلى أن السعوديين «كل ما طلبوه كان حياد واشنطن، لا موافقتها». وتؤكد هذه المصادر، العليمة بشؤون السعودية وشجونها، أن ما حصل «بالتأكيد رسالة رمزية إلى إيران تفيد بأن دول الخليج لا تريد ولن تقبل بأي دور إيراني لدى شيعة الخليج، وأنها مستعدة للمواجهة لضمان هذا الأمر»، مشيرة إلى أن «الهدف المباشر مما يجري هو جر إيران إلى طاولة تفاوض في المنطقة، وجر شيعة البحرين إلى طاولة التفاوض مع ولي العهد».
في المقابل، مصادر قريبة من أروقة صناعة القرار في إيران تؤكد أن «أمن الخليج الفارسي خط أحمر بالنسبة إلى إيران التي تعدّ مياهه بحراً مغلقاً وليس مياهاً دولية». وهي في موقفها هذا لا تستند إلى اقتناعاتها فقط، بل إلى تقرير أعده رئيس الوزراء السويدي السابق أولف بالمه بناءً على طلب من الأمم المتحدة في عام 1983. فعل ذلك بصفته رئيس لجنة الأمم المتحدة لدراسة الوضع الأمني والقانوني للخليج. خلاصة تقريره أن مياه الخليج تُعَدّ بحراً مغلقاً، ما يعني أنه «ينطبق عليه قانون البحار الميتة، وبالتالي فإن دخول أي طرف خارجي إليه لا بد أن يكون بالتوافق مع الدول المتشاطئة وقبولها جميعها».
وبحسب المصادر نفسها «قد تلجأ إيران بناءً على هذا التقرير الدولي، الذي يعطيها بالمناسبة حق إغلاق مضيق هرمز، إلى محاصرة الأميركيين في هذه المنطقة وإعلان وجودهم فيها غير شرعي»، وخصوصاً في أعقاب تصريحات صالحي قبل أيام عن أن الحضور الأميركي في المنطقة ما هو إلا لاستدعاء المزيد من القوات. وتضيف: «إذا أرادوها تدويلاً وفتنة إقليمية، فإن إيران قادرة على قطع دابر الفتنة والسيطرة على المضيق وإغلاقه؛ لأنه لا تفاهم بين الدول المتشاطئة على التدخل في شؤون دولة خليجية».
ولعل من أول الإجراءات التي اتخذتها طهران كان استدعاء كل من القائم بالأعمال البحريني والسفير السعودي والسفير السويسري الذي يرعى المصالح الأميركية في الجمهورية الإسلامية. لقاء أرادته السلطات الإيرانية لطرح الأسئلة وطلب الاستفسارات والتعبير عن الغضب والاحتجاج والتلويح بالعواقب الوخيمة لما يجري. هناك أيضاً اتصال وزير الخارجية علي أكبر صالحي بوزراء خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وتركيا أحمد داوود أوغلو والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، في «إطار إجراءاته للحد من العواقب الخطيرة لتدخل القوات الأجنبية في الشأن الداخلي البحريني وتعريض أرواح الأبرياء للخطر». أكد صالحي، في هذه الاتصالات، أن «التدخل المقلق والمفاجئ للقوات الأجنبية في ما يخص التحركات الشعبية في الدول المختلفة، بما فيها البحرين التي يتابع شعبها سلمياً مطالبه المشروعة، يمكن أن يدفع المنطقة إلى أزمة غير محمودة العواقب»، مشدداً على أنه «يجب التعامل مع مطالب الشعب بحكمة وحصافة واعتماد خطوة ملائمة لتسوية مشاكل البحرين بمنأى عن أي تدخل أجنبي».
ووقّع 257 نائباً في مجلس الشورى الإسلامي بياناً يشدد على أن «التدخل العسكري السعودي في البحرين ستكون له عواقب وخيمة على النظام السعودي غير المشروع».
أما رئيس المجلس علي لاريجاني فرأى أن «إرسال قوات عسكرية من أميركا وبعض دول المنطقة إلى البحرين سيجعلهم يواجهون غضب الشعب البحريني، وبالتأكيد سيعود ذلك عليهم بالضرر مستقبلاً». وأضاف، في كلمة أمام البرلمان أمس: «لقد جرى هذا العمل العدائي بدعم من أميركا وخلال زيارة وزير الدفاع الاميركي للبحرين، ومن حق شعوب المنطقة أن تعلن أن مسؤولية استخدام العنف والقتل منذ هذه الساعة ستكون على عاتق أميركا»، محذراً «حكام المنطقة من أن تدخلهم العسكري بتوجيه من أميركا لن يمر من دون أن يدفعوا الثمن».