باريس | لم ينجح معمر القذافي فقط في استرداد عدد من المدن في الشرق، بل نجح أيضاً في تقليص عدد المشاركين في مؤتمر وزراء خارجية مجموعة الثماني إلى خمسة، وسط غياب لافت لثلاثة وزراء خارجية هم الأميركية هيلاري كلينتون والألماني غيدو فيسترفيلى والبريطاني وليام هيغ. واكتفى وزير الخارجية الفرنسي ألن جوبيه بتوسّط أربعة وزراء في قاعة غصّت بصحافيي العالم، تركّزت أسئلتهم على «مصير الثورات العربية»، وخاصة مسألة الطرح الفرنسي لـ«التدخل عبر قصف أهداف محددة» في ليبيا، إذ بدا واضحاً من التسريبات التي خرجت منذ ليل الاثنين أن مجموعة الثماني «اتفقت على ألّا تتفق» في ما يتعلق بحظر الطيران فوق السماء الليبية، وأنها فضّلت رمي الكرة في ملعب مجلس الأمن ليتقاذفها مع الجامعة العربية وبقية اللاعبين الإقليميين، مثل منظمة الوحدة الأفريقية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

وبدا واضحاً التراجع الفرنسي عن الطرح الذي قدمه الرئيس نيكولا ساركوزي، خلال اجتماع القمة الأوربية في بروكسل، وذلك بعد تراجع البريطانيين، وهو ما دفع جوبيه إلى القول «إن مجموعة الثماني اتفقت على الحاجة إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات للتعامل مع الأزمة الليبية، وإلى مناقشة الأمر في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة»، وهو ما يخالف بمقدار ما حملته الرسالة الموقعة بين ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، قبل ٢٤ ساعة من اجتماع بروكسل، والتي استفزّت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
لم يكن أيّ من المشاركين يتوقع أن تغيّر ألمانيا مواقفها، حتى بعد «الضوء الأخضر الذي جاء من الجامعة العربية». بل إن الواقع هو أن بريطانيا قد «حادت قليلاً عن موقفها السابق». فقد صرّح هيغ للصحافيين بأن «هناك رغبة مشتركة في إجراء مزيد من المناقشات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. نحن واضحون هنا في مجموعة الثماني في أن هناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات، حاجة إلى الرد على نحو عاجل». وقد صرّح أحد المشاركين في الوفد الإيطالي لـ«الأخبار»، شرط كتم هويته، بأن إيطاليا «اصطفّت وراء ألمانيا»، وأنها باتت اليوم ترى ضرورة «إشراك كل القوى الإقليمية في التفكير في كيفية تنفيذ الحظر»، وهو الكلام نفسه الذي صدر عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، رداً على سؤال، إذ أكد ضرورة أن ينظر مجلس الأمن في الأمر. ولكنه أضاف «ولكن قبل أن نصوّت، علينا أن نرى على ماذا؟». وقد تحدث لافروف عن «ضرورة إعطاء المسار والحل السياسي دوراً»، وهو ما فسّره المراقبون بأنه «رفض مطلق للتدخل العسكري». ولعل هذا ما يفسّر «اللهجة الدبلوماسية» التي خاطب بها جوبيه القذافي، فهو لم يكف عن التوجه إليه بـ«مسيو قذّافي»، ويذكّر بمسؤولية «النظام الليبي عن أمن مواطنيه»، في عودة إلى الوراء، بعدما اعترف ساركوزي بالمجلس الوطني ممثلاً وحيداً للشعب الليبي.
ويقول أحد أعضاء الوفد الأميركي لـ«الأخبار»، شرط كتم هويته، إن «التراجع الفرنسي يمليه تغيير ميزان القوى على الأرض». ورداً على سؤال بشأن «التسرّع في اعتراف باريس بالمجلس الوطني»، قال جوبيه «في الحالة التونسية انتُقدنا لأننا تأخرنا في الاعتراف بالحكومة الجديدة، لا بد أنّ اعترافاً مستعجلاً يلغي الاعتراف المتأخر». لكنه أوضح أن الاعتراف الجديد «سياسي وليس قانونياً».
وذكر دبلوماسي فرنسي أن فرنسا تفكّر في كيفية مساعدة «أهالي بنغازي»، لكنه شدد على ضرورة أن ترتبط المساعدات بقرار من مجلس الأمن. وقد علّق الوزير الإيطالي فرانكو فراتيني، في ردّ على سؤال في المؤتمر الصحافي، بأنه «يأسف لأن الدبابات أسرع من المشاورات في مجلس الأمن».
وقد انتبه المراقبون في هذه الأجواء إلى أن لافروف أضاف إلى «لائحة المنظمات الإقليمية»، التي عليها أن تعطي رأيها وتشارك في العمل على الملف الليبي، «مجلس التعاون الخليجي»، وهو ما رأى فيه البعض «انعكاساً لما دار من تجاذب داخل غرفة الاجتماعات المغلقة»، إذ علمت «الأخبار» أن الوضع في البحرين قد أخذ حيّزاً من المناقشات، وأن لافروف كان يريد «توسيع دائرة المناقشة لتشمل الوضع في العالم العربي»، لا الاكتفاء بـ«عموميات». وقد جاء في أحد أجوبة جوبيه على الصحافيين أن فرنسا «تهنّئ ملك المغرب على إعلانه التوجه نحو ملكية دستورية». وأضاف مباشرة أن ما يحصل في دول الخليج يجب أن يدل على أن «الانتقال إلى الديموقراطية ضروري». وقد فسّر أحد المقرّبين من أحد الوفود أن «الحديث عن التغيير في الخليج» استحوذ على اهتمام المشاركين، وأنه «لم يكن هناك من خلاف على ضرورة الخروج من الوضع المتجمّد» الذي أنزل الشعوب إلى الشوارع.
وفي تعليق على «دخول قوات سعودية» إلى مملكة البحرين، أشارت مصادر دبلوماسية فرنسية إلى أن «باريس ستراقب تعامل القوات السعودية مع المتظاهرين»، وأضاف، كما هي تراقب تعامل السلطات في الدول الأخرى مثل إيران واليمن والجزائر. وأعاد التذكير بضرورة احترام حرية التظاهر والتجمع والتعبير عن الرأي.
وعلمت «الأخبار» أن المجتمعين أبدوا تخوّفاً من انعكاسات تدخّل قوات درع الجزيرة في البحرين، وخصوصاً أن العديد من الإشارات التي حملتها بعض الوفود تدل على «التوجه نحو نزاع مذهبي»، مع تخوّف من اتساع حلقة النزاع ليمثّل نوعاً من «المبارزة السعودية الإيرانية» لا يمكن أن تخدم كلا الطرفين اللذين يواجهان مشاكل داخلية.