باريس ــ الأخبار

لم يفلح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في حشد دعم لحملته على الدكتاتور معمّر القذافي، ونيل إجماع معظم القوى السياسية في فرنسا، لكنه نجح في فرط عقد حزبه تجمع الأكثرية الشعبية حول مسألة دعم الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في الجولة الثانية من الانتخابات المناطقيّة في نهاية الأسبوع المقبل، ذلك أن الحزب الاشتراكي حلّ أوّل في الجولة الأولى (٢٤،٩ في المئة) وجاءت النتائج لتدلّ على تراجع كبير لحزب الرئيس (١٧ في المئة) وتقدّم بارز لحزب مارين لوبن المتطرف (١٥،٢ في المئة)، ما يحتّم وجود «ثلاثيات» في الجولة التالية، أي على أحد هذه الأحزاب أن ينسحب ويدعو إلى التصويت لحزب آخر، أو أن يخوض الانتخابات ويؤكّد نجاح الحزب الذي حلّ في الطليعة.

وكانت أحزاب اليسار قد أعلنت أنه في حال الضرورة، سينسحب مرشح اليسار لمرشح الحزب الحاكم ليحول دون وصول مرشحي الجبهة الوطنية العنصرية. إلّا أن ساركوزي فاجأ الجميع بقوله غداة إعلان النتائج «لا تصويت للجبهة ولا تصويت للمعارضة»، ما يعني مباشرة «تسهيل انتخاب مرشحي الجبهة» في نحو أربعين دائرة، ويمكن أن يؤدي إلى نجاح عدد لا بأس به.
وقد سبّب هروب ساركوزي من «العقد الجمهوري» صدمة لقسم كبير من محازبيه أكثر مما صدم خصومه السياسيين، إذ إن العقد الجمهوري هو تسمية يطلقها الفرنسيون على مسألة «الانسحاب لمنع وصول مرشح متطرف»، كما حصل عام ٢٠٠٢ عندما وصل جان مارين لوبن وجاك شيراك إلى الدورة الثانية في انتخابات الرئاسة، ودعا اليسار الفرنسي إلى التصويت لشيراك لمنع لوبن من دخول الإليزيه. ولأول مرة خرج رئيس الوزراء فرانسوا فييون ليعارض علناً ما دعا إلىه ساركوزي، ودعا مؤيدي الحزب إلى التوصيت «ضد الجبهة الوطنية»، وكذلك فعل عدد من الوزراء الذين لم يتردّدوا في التصريح علناً بأن «الجبهة الوطنية لا تمثّل المبادئ التي يحملها الحزب الأكثري».
وقد بدا الشرخ أوضح مع جناح الوسط، الذي انتقد علناً خيار ساركوزي، ولم يتردّد أحد رؤساء هذا التيار، الوزير السابق جان أرتوي، في إعلان «ضرورة التصويت للاشتراكيين» في كل الثلاثيات المنتظرة. إلّا أن جان فرانسوا كوبيه، الأمين العام لحزب ساركوزي، والذي كان مقرباً جداً من شيراك، التزم عدم التصويت لليسار من دون أن يعطي إشارة واضحة كما فعل ساركوزي. إلا أن هذا لم يكف لمنع الشيراكيين من الانقسام على هذا الأمر. وهو ما انعكس شرخاً كبيراً قي الحزب الأكثري يمكن أن يترك آثاراً قوية في الانتخابات الرئاسية المقبلة. إلّا أن عدد المراقبين الذين باتوا يشكّون في إمكانية ترشّح ساركوزي يرتفع بنحو متواصل، ويرى عدد منهم أن «خروج فييون» هو لإبراز خط فاصل بينه وبين ساركوزي إذا مالت الأمور داخل الحزب بما يسمح له بالانشقاق والترشح ضد الرئيس كما حصل مع شيراك، عندما ترشح ضد جيسكار ديستان، وهو ما قاد اليمين إلى الهزيمة آنذاك.
ويرى هؤلاء أيضاً أن كوبيه يلعب «ورقة خسارة ساركوزي» ليس استعداداً لهذه الجولة، بل للجولة المقبلة في عام ٢٠١٧، فهو صغير في السن نسبياً ويمسك بالحزب وبكل مفاصل القرار فيه، وفي حال سقوط ساركوزي أو فييون يكون الوحيد القادر على «قيادة اليمين المنهزم».
إلّا أن بعض الخبراء يرون في الاستراتيجيات المتناقضة لليمين الحاكم «سيناريوهات خيالية»، إذ إنه في حال وصول مارين لوبن إلى الإليزيه، وهو ما بات غير مستبعد بعدما «عمل ساركوزي على دفع محازبيه نحو الجبهة الوطنية»، فإن أي انتخابات نيابية تعقبها سوف تشهد تياراً يمينياً جارفاً يحاكي ما تشهده دول أوروبا الشمالية، وهو ما سيدفع فرنسا، للمرة الأولى مرة منذ الحرب العالمية الثانية تحت قبّة اليمين الشوفيني ويفتح الأبواب مشرعة أمام عنصرية قانونية حسب برامج الجبهة الوطنية المعلنة، التي صوت لها المواطنون الفرنسيون، بحيث يمكن القول إن ساركوزي لعب بالنار عندما سلّط الاهتمام على الهوية الوطنية والإسلام ففتح قمقم العنصرية لتخرج ماري لوبن مارداً يغطّي على حزبه.