باريس | لم تمنع «زلة لسان» وزير الداخلية كلود غيان، المقرّب جداً من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عندما وصف تدخل القوات الفرنسية بأنها «حملة صليبية»، من إجماع القوى السياسية، ما عدا الشيوعيين، على تأييد السياسة الفرنسية في معركة ليبيا، خلال مناقشة المشاركة الفرنسية في الحملة العسكرية، كما تنص عليه مواد الدستور الجديدة، التي تفرض على الحكومة مناقشة كل تدخل أو مشاركة عسكرية في الجمعية الوطنية.

ورغم أن المعارضة عدّت وصف التدخل في ليبيا بالحملة الصليبية «مروّعاً»، أدرك جميع المراقبين أن الأمر «تلاعب على الكلمات» من قبل المعارضة في فترة بين دورتي انتخابات محلية، لأن معنى التعبير في الفرنسية هو «حملة عسكرية» (croisade)، بات يتجاوز المعنى التاريخي. ولكن لم يمنع هذا مارتين أوبري، زعيمة الاشتراكيين، من وصف تصريح غيان بأنه «هفوة»، سببه «تحليل خاطئ»، وأن التدخل في ليبيا «لا يعني الغرب ضد الشرق».
وقد غطى السجال بشأن التعبير على معركة أخرى تنازل فيها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن مبدأ طالما ردّده في مرحلة الإعداد للحملة العسكرية، وهو «تسليم الحلف الأطلسي قيادة العمليات». فبعد مناقشات حادة، توصلت دول الحلف إلى اتفاق بشأن أسس مشاركة الحلف في التدخل وكيفيتها، وجاء «الإخراج» على شكل تكليف سفنها الحربية بمهمة مراقبة حظر الأسلحة على ليبيا بموجب القرار ١٩٧٠، وكلفت طائرات وسفن تابعة لـ«الأطلسي» بتنفيذ هذه المهمة، كما قال الأمين العام للحلف اندرس فوغ راسموسن.
ورغم أن الإعلان لم يأت على مسألة القيادة السياسية العسكرية للعمليات، التي ترغب باريس في أن تبقى في يد الائتلاف الدولي، وخصوصاً فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، أفادت تسريبات من اجتماع سفراء الحلف بأن «خطط المشاركة العسكرية سيضعها مجلس قيادة الحلف»، وسيترك أمر المشاركة في قصف ليبيا للأعضاء، بسبب معارضة تركيا.
وعلمت «الأخبار» أن توتراً كبيراً حصل في اجتماع السفراء، وأن مشادة كلامية وقعت بين راسموسن وسفيري فرنسا وألمانيا، اللذين انسحبا احتجاجاً على نقده لبلديهما بشأن «عرقلة عمل الحلف». وكذلك انسحب السفير التركي بعد رفضه الانتقاد لموقف بلاده عدم المشاركة في قصف الأراضي الليبية.
أما السبب الذي يمنع تسليم الحلف الأطلسي قيادة الحملة العسكرية فبات معروفاً من جميع دوائر القرار. الدوائر الفرنسية تقول علناً وهمساً إن السبب يرتبط بـ«استهجان الرأي العام العربي لكل ما يمسّ الحلف الأطلسي»، وإن «ساركوزي وعد باستبعاده» من عملية تطبيق حظر الطيران. إلا أن حلفاء الحلف الأطلسي، الذين يدعون إلى تسليمه القيادة، ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول يمكن تصنيفه في باب الدول الصغيرة التي لا تستطيع المشاركة إلا «عبر هيكلية الأطلسي»، أما القسم الثاني فيتألف من الدول التي ترى أن «قيادة ثلاثية» (بريطانية فرنسية أميركية) تعطي دوراً بارزاً لساركوزي يتجاوز ما يمكن أن تضعه باريس في ميدان المعركة. ويذكّر هؤلاء بأن فرنسا «عادت منذ فترة قصيرة إلى الحلف» بعد غياب طويل. ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين «إن الحلف خطّ طريقه وربح معركة الحرب الباردة من دون الديك الفرنسي»، وإن بعض الحلفاء لا يفهمون سبب إعطاء باريس وساركوزي دوراً يتجاوز حجم فرنسا. وكان وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه قد قال قبل يومين «إن تدخلاً عسكرياً للحلف الأطلسي في ليبيا أمر ينبغي درسه بإمعان»، محذراً من «أنه قد يأتي بنتائج عكسية تماماً لدى الرأي العام العربي».
واقترح على الحلفاء «هيئة تسيير سياسية للعملية العسكرية» تضم وزراء خارجية الدول المشاركة في العملية ودول الجامعة العربية، إلا أن الانقسام داخل الجامعة العربية بشأن المشاركة والتراجع في مواقف عدد كبير من أعضائها أضعفا كثيراً العرض الفرنسي.
وحسب أكثر من مصدر، فإن «الاتفاق على القيادة السياسية» للعملية لا يزال عالقاً بسبب رفض باريس. رغم هذا، تؤكد هذه المصادر أن عرض باريس قيام قيادة سياسية مؤلفة من الدول المشاركة فقط مرفوض من عدد من الدول. ويبدو من ردود المصادر الدبلوماسية أن «باريس مستعدة للتنازل في هذا الصدد»، من دون معرفة «الثمن المطلوب» الذي قد يكون، حسب معلومات موثوقة، «تسليم جنرال فرنسي قيادة العمليات»، كما حصل في كوسوفو. وكانت مصادر في الإليزيه قد ذكّرت بأن «ساركوزي والرئيس أوباما قد اتفقا على آليات استعمال هيكلية قيادة الأطلسي لدعم الائتلاف»، وهو تعبير يمكن أن يحمل تفسيرات متعددة.