لم تُحسم الخلافات الدولية بشأن إناطة القيادة بحلف شمالي الأطلسي، فتوصل المعنيون إلى توزيع القيادة بين الاتحاد الأوروبي والحلف الذي تولى الجانب التخطيطي والعملاني من العمليات الجارية في «الهضبة الأفريقية»

تواصل القصف الجوي الأميركي ـــــ البريطاني ـــــ الفرنسي على ليبيا لليوم الخامس على التوالي، فيما توسعت دائرة المشاركة الدولية في تطبيق فرض الحظر الجوي والمراقبة البحرية، حيث انضمت تركيا إلى القوات البحرية المشاركة. بيد أن الرئيس الأميركي باراك أوباما أعلن أن الزعيم الليبي معمر القذافي قد يتشبث بالسلطة حتى في وجه الحظر الجوي وتراجع قواته، معرباً عن أمله أن يتمكّن «الثوار» الليبيون من قلب نظام القذافي، مستفيدين من الحماية الجديدة التي توفرها لهم الحملة العسكرية التي تقودها أميركا.
وأشار أوباما، في مقابلة مع شبكة التلفزيون الأميركية «سي أن أن»، إلى أن الهدف المباشر للعمل العسكري، الذي فوّضته الأمم المتحدة في ليبيا، هو تفادي مجزرة في مدينة بنغازي، مقر المعارضة الليبية، تنفذها القوات الموالية للقذافي. وقال: «نظراً إلى أن المجتمع الدولي متحالف، فإن قوات القذافي انسحبت الآن من بنغازي».
وأوضح أوباما أن الولايات المتحدة وحلفاءها، ومن ضمنهم الدول الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي والدول العربية، يفرضون منطقة حظر جوي فوق ليبيا، والقوات الأميركية تدمر الدفاعات الجوية للقذافي. إلّا أنه قال إن القذافي قد يتشبث بالسلطة وينتظر حتى في وجه الحظر الجوي على الرغم من تراجع قواته.
بدورها، قالت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، إن القذافي وحلفاءه الذين يواجهون حملة قصف من الدول الغربية قد يستكشفون الخيارات المتاحة بحثاً عن مخرج، لكن لم يتضح بعد إن كان جاداً في التنحي أو لا.
وأشارت كلينتون، في مقابلة مع شبكة التلفزيون الأميركية «إي بي سي»، إلى أن الحكومة الأميركية تلقّت تقارير غير مؤكدة تفيد بأن واحداً على الأقل من أبناء القذافي ربما قتل في الغارات الجوية للتحالف. لكنها أضافت أن «الأدلة غير كافية» لتأكيد هذه التقارير، موضحة أن «القوات الأميركية ليست هي التي يمكن أن تكون قد قتلته».
وأوضح مسؤول أميركي رفيع المستوى، عقب مكالمة أجراها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد مع نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن والوزيرة كلينتون، أن هناك دولاً عربية أخرى غير قطر ستعلن دعمها للحملة العسكرية على ليبيا في الأيام القليلة المقبلة، مشيراً إلى أن «النتيجة النهائية هو أننا واثقون بأن دولاً عربية أخرى ستشارك» في الحملة.
في هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، أن الكويت والأردن سيقدمان «دعماً لوجستياً» للعمليات الدولية في الجماهيرية.
وكان الجنرال الكندي، بيار سان أمان، من حلف شمالي الأطلسي، قد أعلن في بروكسل أمس، أن عدداً من دول الحلف وضع ما مجمله 16 سفينة وغواصة بتصرف المنظمة العسكرية الدولية، لفرض احترام حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، بينها خمس سفن وغواصة من تركيا وحدها. وأضاف أن دول الحلف اقترحت «عدداً من الوسائل» الجوية الإضافية للعمليات.
وعن دور الحلف الأطلسي في قيادة العمليات العسكرية ضد النظام الليبي، اقتربت الحكومات الغربية أمس من الاتفاق على حل وسط ينيط بالحلف القيام «بدور فني». واتفقت واشنطن ولندن وباريس على أنه ينبغي للحلف أن يؤدي دوراً رئيسياً في العمليات، لكن تلزم موافقة جميع أعضاء الحلف الـ 28 على ذلك. والأعضاء منقسمون بشأن ما إذا كان ينبغي أن يتولى السيطرة السياسية أيضاً.
على الصعيد الميداني، ورغم شدة الحملة العسكرية التي استهدفت السلاح الجوي وتدمير الدفاعات الجوية لكتائب القذافي، أشارت التقارير الأميركية إلى عدم وجود دليل حتى الآن على أن الهجمات الأميركية ـــــ البريطانية ـــــ الفرنسية أوقفت قوات النظام من قتل المدنيين أو حولت ميزان القوة لمصلحة الثوار، بل حقق الموالون للقذافي تقدماً إضافياً داخل مدينة مصراتة الغربية المحاصرة، وواصلوا قصف بلدة زنتان الصغيرة جنوبي غربي طرابلس العاصمة، وأطلقوا نيران المدفعية لمنع الثوار الذين يحاولون إعادة الاحتشاد خارج بلدة أجدابيا الشرقية الاستراتيجية.
وقال معارضون إن الثوار اشتبكوا مع قوات القذافي في أجدابيا الاستراتيجية، التي وصفها أحد المقاتلين بـ«مدينة أشباح»، وإن السكان يفرون بسبب الدمار. وأفادت قناة «الجزيرة» بأن 17 شخصاً، بينهم خمسة أطفال، لقوا مصرعهم في مدينة مصراتة برصاص قناصة وقصف مدفعي من كتائب القذافي.
وكان الثوار قد نجحوا في وقت سابق، في تطهير غابة الكشافة الواقعة شرق مدينة الزنتان، فضلاً عن نجاحهم في صد محاولة دخول قوات القذافي من الجهة الشمالية.
أما نائب المارشال الجوي البريطاني، جريج باغويل، فأشار إلى أن قوات الائتلاف دمرت القوات الجوية الليبية، وتتحرك من دون عقبات في الأجواء الليبية. وقال باغويل خلال جولة على قاعدة جويا ديل كوللي في جنوب إيطاليا: «لم يعد هناك وجود للقوات الجوية (الليبية) كقوة قتالية في الواقع».
في المقابل، عاد العقيد الليبي معمر القذافي إلى الظهور العلني، متوعداً القوات الأجنبية بأنها ستهزم. ودعا الجيوش الإسلامية إلى المشاركة في هذه المعركة التي وصفها بالتاريخية. ووصف القذافي، في كلمة مقتضبة في العاصمة طرابلس، الهجمات التي تشنها قوات التحالف الدولي على قواته بأنها عدوان غير مبرر ومخالف لميثاق الأمم المتحدة. وقال إن كل شعوب العالم تقف إلى جانب الشعب الليبي.
على خط آخر، بدأت المعارضة الليبية في تكوين كيانها السياسي، حيث عيّن المجلس الوطني الانتقالي للمعارضة الليبية المسلحة في شرق البلاد، محمود جبريل، رئيساً لحكومة مؤقتة، وكلفه تأليف الحكومة، حسبما ذكرت قناة «الجزيرة» الفضائية.
وجبريل إصلاحي شارك ذات مرة في مشروع لإقامة دولة ديموقراطية في ليبيا، وهو بالفعل رئيس لجنة لمعالجة الأزمات تشمل الشؤون العسكرية والخارجية.
على صعيد المواقف، نقلت وكالة أنباء الأناضول عن الرئيس التركي، عبد الله غول، قوله في أنقرة قبيل مغادرته إلى غانا، إنّ «من المهم لتركيا أن ينتهي الوضع في ليبيا من دون سيلان المزيد من الدماء»، ناصحاً «الذين يقودون ليبيا أن يتخلوا عن الحكم فوراً لمنع استيلاء الآخرين على ليبيا».
وفي القاهرة، ندد الأزهر «بالاعتداء» الغربي على ليبيا، وحذر الولايات المتحدة وبريطانيا من «تقسيم ليبيا وتدمير ثرواتها الطبيعية والبشرية كما حدث بالعراق».
وكان مجلس النواب الروسي قد دعا مجلس الأمن الدولي، إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار والعنف والهجمات على السكان المدنيين في ليبيا، معبراً عن القلق من «نطاق وشكل» العمليات العسكرية هناك.
على صعيد تطبيق العقوبات، قال دبلوماسيون إن حكومات دول الاتحاد الأوروبي وافقت على فرض عقوبات على المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، استجابة للقرار الذي اتخذته الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، وعلى إضافة أربع شركات نفط أخرى إلى قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي.
وأعلنت الولايات المتحدة أسماء 14 شركة مملوكة لمؤسسة النفط الحكومية الليبية تقع تحت طائلة عقوبات، منها شركة الخليج العربي للنفط في شرق البلاد، التي تعدّها واشنطن «مصدر تمويل رئيسياً لنظام القذافي».
وفي السياق، أعلنت السويد تجميد أكثر من 1,12 مليار يورو من الموجودات العائدة لنظام القذافي، فيما أعلنت النروج تجميد ما قيمته 370 مليون دولار من الأصول الليبية.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، يو بي آي)