يحاول حكام أنقرة، تاريخياً، على اختلاف انتماءاتهم (كماليون جمهوريون أو قوميون أو إسلاميون)، إزالة أي مناسبة ترمز إلى حزب العمال الكردستاني وزعيمه المعتقل في سجن إمرلي منذ عام 1999، عبد الله أوجلان. ولمّا كان إلغاء المناسبات مستحيلاً، مثلما هي الحال مع عيد النوروز (العام الجديد بالفارسية)، فإنّ العقل التركي وجد طريقة بديلة، وهي تتريك العيد. طريقة سهلة لم تكن خاطرة على بال حكام أنقرة رغم بديهيّتها: إطلاق حملة مفادها أنّ هذا العيد، الذي يرمز إلى بداية الربيع وانبعاث الحياة بما أن الطبيعة تستفيق من سبات الشتاء، هو عيد للجميع، أكراداً وأتراكاً وغير أتراك.


وتتريك العيد بدل «تكريده»، هو سياسة تُرجمَت هذا العام بإنشاء «لجنة مهرجانات إسطنبول لعيد النوروز»، التي أحيت احتفالات موسيقية وراقصة في إسطنبول يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، في سياق رأى فيه الأكراد أنه مسعى لفكّ ارتباط العيد بقضيتهم الكردية. وهنا نشأت مشكلة جديدة: هل تُكتَب كلمة النوروز على لافتات الاحتفالات مثلما تُكتَب بالحرف الكردي w أي newruz، أو بحرف v لتصبح nevruz مثلما تُكتَب باللغة التركية، لكون حرف w غير موجود في هذه اللغة، خلاف وجوده في الكردية؟ وفي النهاية، رست «المناقصة» على كتابة الكلمة باللغتين التركية والكردية على اللافتات الدعائية للمهرجان. وفكرة إنشاء لجنة المهرجان لم تكن من بنات أفكار الحكومة التركية أو من أوساطها، لكن فكرة «حرب الحرفَين» (v أو w) هي تركية، وتحديداً من قبل بلدية كاجيتهان (في إسطنبول) وإدارة لجنة «إسطنبول 2010 عاصمة الثقافة الأوروبية» الحكومية، وقد أغضبت أصحاب فكرة اللجنة من «مهرجان موسيقى العالم» على قاعدة أنّ عيد بداية الربيع وتجدُّد الحياة يمكن أن يجري إحياؤه بأكثر من لغة، وعلى الجميع أن يحيوا المناسبة كما يشاؤون وبأي لغة يريدون.
وعلى الصعيد السياسي، ظهرت نية الحكومة نزع الطابع الكردي عن احتفالات نسخة العام الجاري بالعيد جليّة، برسالتي الرئيس عبد الله غول ورئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، يوم الأحد الماضي 20 آذار، عشية بدء الاحتفالات، وهما اللتان جاءتا بمضمون واحد تقريباً: عيد النوروز ملك لنا جميعاً، كأتراك وغير أتراك، في منطقة تمتد من وسط آسيا وشمال الصين والقوقاز إلى البلقان والشرق الأوسط وإيران حتى الأناضول. كلام صحيح تاريخياً، لكنّ الصحيح أيضاً، وهو ما يعرفه كل من غول وأردوغان، أنّ هذه المناسبة تعني للأكراد شيئاً استثنائياً، وهو أنّ كردستان لن تموت، وأنّ بداية الربيع وانبعاث الطبيعة يرمزان إلى انبعاث القضية الكردية وزعيمها أوجلان. وفي رسالتَي غول وأردوغان دعوات إلى إحياء الاحتفالات سلمياً، «يداً بيد وبمحبة». وبالفعل، لم تقع معارك كبيرة بين الأكراد، الذين ملأوا شوارع معظم المدن والبلدات والقرى الكردية في جنوب وجنوب شرق الأناضول، والشرطة التركية. وككل عام منذ ثمانينيات القرن الماضي، كان أوجلان و«العمال الكردستاني» نجمي الاحتفالات من دون منازع، إذ ملأت صور «آبو» وأعلام حزبه الشوارع والساحات التي تتحول إلى مسارح عملاقة لا تنام ولا ترتاح ليلاً ونهاراً، مع فرق غنائية تراثية ورقصات شعبية وألعاب وعروض مسرحية، بينما تقتصر نشاطات الأتراك من غير الأكراد على الخروج إلى مدن الملاهي والنزهات العائلية (picnic).
وفي سياق تعميم عيد النوروز على المدن التركية غير الكردية، شكا وزير السياحة إرتوغرول غوناي من حصر العيد في الدائرة الكردية، مذكِّراً بأنّ العيد ملك للبشرية جمعاء، بدليل أنّ منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (الأونيسكو) وضعت هذا العيد على لائحة الإرث الثقافي العالمي منذ عام 2009.
في جميع الأحوال، شهدت جميع المدن التركية ذات الغالبية الكردية، أو ببساطة التي تحتضن مواطنين أكراداً، احتفالات حاشدة جداً كالعادة. الجديد هذا العام هو أنّ الاحتفالات تأتي قبل نحو شهرين ونصف شهر من الانتخابات التشريعية التي تكتسب أهمية استثنائية في حزيران المقبل، وسط بقاء حزب السلام والديموقراطية (الذي يُعدّ بمثابة الغطاء الشرعي والسياسي لحزب العمال الكردستاني) محاصَراً في دائرته الكرديّة، مع ظهور إحصاءات واستطلاعات للرأي تشير إلى أنّ شعبية هذا الحزب لا تطمئن. نتائج شاء مناصرو «السلام والديموقراطية» أن يردّوا عليها في الشوارع، تأييداً له ولتوأمه «العمال الكردستاني»، ولسان حالهم يؤكد أن هذا العيد تاريخياً للأكراد، مثلما يقول المؤرِّخ الشهير مهرداد إزادي، وأنه سياسياً لهم أيضاً، لكونه يذكّرهم بأن أرضهم لا تزال أسيرة، وشهداءهم الـ57 في عيد النوروز عام 1992 في شيرناك لا يزالون منسيين.