أنقرة | للتشاؤم التركي، في الصالونات السياسية والمكاتب الحكومية كما في الشارع، مبرِّرات عديدة للتقليل من احتمال قبول تركيا يوماً ما عضواً في الاتحاد الأوروبي؛ لا مفاوضات العضوية تسير بوتيرة زمنية مقبولة، ولا اليسار الأوروبي، المتحمِّس عادةً للقبول بعضوية تركيا، بأحسن أحواله. اليمين المتطرف بات يمثّل ما يقارب الـ15 في المئة من ناخبي الدول الـ27 التي تؤلف النادي الذي يصرّ مسؤولو دول أوروبية كبرى على أن يكون مسيحياً، فضلاً عن اليمين «الكلاسيكي» المعادي علناً لإدخال أنقرة إلى صفوف اتحاده. الإسلاموفوبيا ترتفع وتيرتها، وباتت تستقطب فئات اجتماعية وسياسية جديدة في القارة العجوز. البوصلة السياسية المعتمَدة في أنقرة على أساس تعدُّد الوجهات ومصالحة العالم العربي والإسلامي، واستعادة الدور التركي الكبير في مناطق الشرق الأوسط والأدنى والبلقان وأفريقيا وشرق آسيا ووسطها، وإعادة النظر بالتحالفات الكبيرة غير المشروطة التي جمعت تركيا بإسرائيل وأميركا وأوروبا... كلها لا تنال رضى أوروبا المحتاجة إلى تركيا انتهت منذ 2002: تركيا الذيل أو الدولة الطرفية على أحسن الأحوال، لا تركيا القادرة على استثمار وضعيتها كدولة تحتل المرتبة 16 من ناحية أكبر الاقتصاديات في العالم، لرسم معالم نظام دولي جديد قائم على تعدُّد الأقطاب. الأوروبيون يريدون تركيا ـــــ الجسر مع آسيا، بينما حكام أنقرة ـــــ العدالة والتنمية لا يجدون حرجاً في ادّعاء تمثيل العالم الإسلامي ومصالحه في وجه الغرب عندما تدعو الحاجة. الأوروبيون يفضّلون تركيا لتكون موطئ قدم لعودتهم إلى الشرق، بينما رجب طيب أردوغان ورفاقه يضعون خططاً مستقلة لقيادة المنطقة لا لحساب أحد سواهم.

باختصار، يسعى الأوروبيون إلى التعاطي مع دول المنطقة بالمفرَّق، أمّا الأتراك، فيحاولون جمع الجهود للتفاوض من موقع القوي مع أوروبا والغرب عموماً. في المقلب الآخر من المشهد، صورة يُجمع عليها عدد كبير من الأتراك، لكنها من نوع القضايا المتفَق على أن تبقى ضمنية. الفكرة واضحة ولها أسس وحجج مقنعة: الأتراك باتوا غير راغبين بالانتماء إلى الاتحاد الأوروبي. كلام كبير يسمعه زائر تركيا في الشارع على ألسنة أصحاب محال ينتمون إلى الطبقة الوسطى من البورجوازيتين الصغرى والكبرى، وتُقرّ به مجموعة ممّا يُعرف بإنتلجنسيا النظام والمعارضة معاً، ويمكن بسهولة سماعه على ألسنة صحافيين نقديين أتراك في مختلف الصحف، على اختلاف توجهاتها.
النظرية بسيطة ومنطقية: أصبحت تركيا تحتل المرتبة الاقتصادية الـ16 في العالم والسابعة في أوروبا. صادراتها بلغت 160 مليار دولار في نهاية العام الماضي، ومن المتوقع أن تبلغ 200 مليار في 2013. هي تحقق نسبة نمو تدنو من الـ7 في المئة، بينما جميع الأوروبيين لا يصلون إلى عتبة الخمسة في المئة، ويرزحون تحت وطأة أزمة اقتصادية هائلة، ودولهم تتساقط الواحدة تلو الأخرى في فخ استجداء المساعدات المالية من المؤسسات الدولية. بدأت القصة في اليونان وامتدّت إلى إيرلندا والبرتغال، وإسبانيا وإيطاليا مرشحتَان قويتان للانضمام إلى فريق المفلسين، حتى أن فرنسا غير بعيدة عن الخطر. انطلاقاً من هذا، يمكن سماع عشرات التعليقات التركية غير الرسمية، التي تنتهي إلى خلاصة وحيدة: «مَن قال للأوروبيين إننا مستعدّون لندفع لهم ديونهم؟ اعذرونا، لكننا لا نعمل لحساب الفرنسيين ولا الألمان وخصوصاً ليس من أجل اليونانيين»، في سخرية مرفقة بجرعة زائدة من الحقد التاريخي الموجود حتى اليوم لدى فئات ليست أقلية في تركيا. والتخوُّف التركي من قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي من أجل استغلال صعودها الاقتصادي الكبير، لا يحتاج إلى خبير اقتصادي ليثبته. حتى أحد أصحاب متاجر بيع التحف في «بازار أراستا» بالوسط التاريخي لمدينة إسطنبول في حيّ «السلطان أحمد»، يدرك تماماً أن الدول الأوروبية دفعت ما يناهز 110 مليارات يورو لإنقاذ اليونان و85 ملياراً لإيرلندا و60 ملياراً للبرتغال، بين قروض طوارئ ومساعدات مقسَّطة على 3 سنوات. التاجر نفسه يتابع صحف بلاده (المعارضة) ويدرك قصّة قرض الـ45 مليار دولار الذي جرى التفاوض عليه بين حكومة أردوغان وصندوق النقد الدولي طوال عام 2010، قبل أن تعلن أنقرة وقف المفاوضات حوله بعد رفضها الشروط «التي تمس السيادة التركية» التي وضعها الصندوق في مقابل القرض، كإعادة هيكلة إدارة الضرائب والعوائد المالية لمجالس البلديات المستقلّة.
هكذا قدّم الأتراك نموذجاً مختلفاً جداً عن «الإذلال» الذي لحق باليونان والبرتغال وإيرلندا للخروج من تداعيات الأزمة المالية العالمية، ورفضوا شروط صندوق النقد، في ظل تحقيقهم نسبة نموّ لاقتصادهم تبلغ 6.7 في المئة بحسب إحصاءات منظّمة التعاون والتنمية الاقتصادية (ocde)، وهي أعلى نسبة نمو بين جميع الدول الأوروبية، رغم أنّ نسبة العجز في الموازنة التركية لا تزال بحدود الـ16.5 مليار يورو.
إذاً الجنّة الأوروبية الاقتصادية التي كان الأتراك يحلمون بالارتماء في أحضانها من خلال العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي تبخَّرت. ومع تبخُّر هذه الجنّة، من الطبيعي أن تزول حماسة تركيا إلى الانتساب لأوروبا، نظراً إلى أن دافع الاستفادة الاقتصادية منها كان أحد أكبر العوامل في السعي التركي للانتساب إلى الاتحاد منذ بدأ الحلم في ستينيات القرن الماضي. ويختزل الناشط الشيوعي البارز، الكاتب الصحافي رون مارغولياس، الموقف التركي الشعبي من مسألة احتمال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من عدمه بعبارة تختصر المشهد: «قد نصبح عضواً في الاتحاد يوماً ما، إذا بقي هناك شيء اسمه اتحاد أوروبي»، في إشارة إلى احتمال انفراط عقد الاتحاد من جراء الأزمات المالية المتلاحقة التي تعصف بدوله.




الأرقام لا تعني شيئاً

يجسّد أستاذ الاقتصاد في جامعة إسطنبول، الصحافي في جريدة «ستار»، محمد ألتان، موقف الطيف التركي الليبرالي، المؤيد بقوة لتركيا أوروبية، بعكس شارع تركي واسع.
وأبرز ما يصرّ عليه ألتان، ضرورة أن تفتح تركيا مرافئها للبواخر القبرصية حتى قبل حلّ أزمة الجزيرة المقسَّمة، وهو ما كان حاصلاً بالفعل حتى عام 1997. ويعزو «عدم حماسة» حكام أنقرة الحاليين إلى الانتساب لأوروبا، إلى «أسباب ثقافية تعود إلى كونهم يشعرون بأنهم أقرب إلى العالم العربي الإسلامي منهم إلى الغرب الليبرالي».
وحين يُسأل عن «الإنجازات الاقتصادية» التي يتبجّج بها فريق عمل رجب طيب أردوغان، يسخر ألتان شاهراً أرقامه التي تضع تركيا في المرتبة الـ83 من أصل 169 دولة من حيث نوعيّة حياة المواطنين ورفاهيتهم، والـ58 على مستوى دول العالم من حيث الدخل الفردي. بالتالي، فإن حقيقة احتلال تركيا المرتبة الاقتصادية الـ16 في العالم والسادسة في أوروبا «لا تعني شيئاً بالنسبة إلى المواطنين الذين لا يشعرون بأي تأثير إيجابي لهذه الأرقام على حياتهم اليومية».