إسطنبول| في كل مرة يقوم رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان بزيارة خارجية، يكون له جدولا أعمال؛ واحد علني، والثاني بعيد عن الإعلام. اليومان الماراتونيان اللذان قضاهما الرجل في بلاد الرافدين أخيراً، واللذان جال خلالهما في وسط البلاد وجنوبها فشمالها، حملا عناوين كثيرة، طفا منها إلى السطح ما جرى التداول به على المنابر الرسمية: تعزيز العلاقات الثنائية بين العراق وتركيا، ومتابعة العمل بالاتفاقيات الـ49 التي وُقّعت عام 2009 لدى زيارة أردوغان لبغداد


، والمزيد من التنسيق بين البلدين حيال حزب العمال الكردستاني في شمال منطقة الأكراد. كلام عام، لكنه ظل قاصراً عن تبرير الأهمية الاستثنائية التي أعطيَت للزيارة، وخصوصاً أنّ جولة أردوغان خُطِّطَ لها على وجه السرعة، ولم تُعلَن إلا قبل يوم واحد من حصولها. وبعد يومين من عودة أردوغان والوفد العريض الذي رافقه، إلى أنقرة، كثرت التسريبات بشأن المعاني والأهداف الحقيقية للزيارة التي بدا أنها حملت أربعة عناوين مركزية، تُضاف إلى الأهداف الرسمية المعلنة:
1ـــــ تكريس أردوغان نفسه الشخصية المسلمة الأهم القادرة على تخطّي عقبات التوتر المذهبي بين الشيعة والسنّة.
2ـــــ تقديم مساهمة في تهدئة التوتر التركماني ـــــ العربي ـــــ الكردي في كركوك. 3ـــــ تلقّي تفاصيل عرض المرجع الديني علي السيستاني بشأن طلبه من أنقرة تأدية دور وساطة في البحرين، بين الأطراف البحرينية، وبين إيران وعرب الخليج.
4ـــــ القيام بخطوة عراقية قد تكسبه وحزبه آلاف الأصوات الكردية التركية، قبل 75 يوماً من انتخابات 12 حزيران المصيرية في تركيا.
والأهداف الفعلية الأربعة للزيارة لا ينفصل بعضها عن بعض؛ فتخطّي أردوغان الحساسيات الشيعية ـــــ السنّية، من خلال زيارته لمقامات شيعية رئيسية في العراق، كمراقد الإمام علي (أول زعيم سنّي يزوره) والإمامين الكاظمين، وأخرى سنّية كمرقد الإمام أبو حنيفة، وهو أكبر مسجد في بغداد، إضافة إلى تنظيم استقبالات شعبية مختلطة له في المدن التي زارها (بغداد والنجف وأربيل)، كانت مقدمات ضرورية ليصبح في إمكانه التفاوض مع الأطراف المتصلة بالأزمة البحرينية من منطلق المحايد، وهو السنّي الأرفع شأناً الذي يجتمع مع السيستاني، وهو السنّي الذي أطلق خطاباً أثار السجال قبل أسبوعين، عندما حذّر من أن تركيا لا تريد أن ترى «كربلاء جديدة» في البحرين. ورأى الصحافي في جريدة «راديكال» التركية، سنكيز شندار، الذي رافق أردوغان، أن رئيس الحكومة هدف من جولته العراقية إلى «تأدية دور إقليمي جديد، كزعيم قادر على تجسيد القيم المشتركة للإسلام، مبقياً نفسه فوق النزاع السنّي ـــــ الشيعي».
من هذا المنطلق، رضخ السيستاني لطلب أردوغان عقد خلوة بينهما، في إشارة إلى مدى حرص المسؤول التركي على سرية ما ناقشه مع المرجع الشيعي الأبرز في العالم ربما. ورغم جدار الصمت الذي لفّ الاجتماع، إلا أن المرافقين لرئيس الحكومة أكّدوا أن اللقاء تخلله بالفعل، مثلما كان متوقعاً، طلب من السيستاني لتأدية وساطة ما في الأزمة البحرينية. ورغم «هرب» أردوغان من الصحافيين عند انتهاء لقائه برجل الدين، إلا أنه عاد وأعرب عن سعادته بالاجتماع «المثمر للغاية». ويوم أمس، عاد أردوغان ليعترف بأنّ «جميع الأطراف المعنية تؤيّد الوساطة التركية في الأزمة البحرينية».
وكانت فكرة السيستاني طلب التوسط من أردوغان قد بدأت عند خطاب الأخير عن رفض «كربلاء جديدة» في البحرين، وحديثه المؤثر عن الإمام الحسين، وعن أنّ «هذه الأرض والتاريخ والحضارة لنا جميعاً». عندها، نُقل عن السيستاني قوله «إن فهمنا الرسالة الصحيحة من أردوغان في العالم العربي، فسيكون عالمنا خالياً من المشاكل». وأجمع المراقبون الأتراك على أنّ زيارة النجف كانت الأهم، إذ رأى الباحث في مركز الدراسات USAK، عثمان دينشر، أنّه «لا زعيم سعودياً ولا مصرياً أمكنه القيام بمثل تلك الزيارة إلى فاتيكان الشيعة»، وهو ما رأى فيه الخبير التركي في شؤون الشرق الأوسط، سرهات إركمان، «نقطة تحول في العلاقات التركية ـــــ العراقية، وفي المنطقة على المدى البعيد».
وبعيداً عن البحرين بشيعتها وسنّتها، كانت محطّة الاستقبال الشعبي لأردوغان كبطل تاريخي، في أربيل، نقطة مركزية في الزيارة، إذ كان الرجل أول رئيس حكومة تركي يزور هذه المدينة، ويسمّي الأكراد باسمهم مرات عدة في كلماته هناك، حتى وإن لم يستعمل عبارة «كردستان»، التي سمّاها «هذه الأرض الجميلة». وقبل وصوله إلى أربيل بساعات، بدأت نتائج زيارته بالظهور من كركوك، حيث انتخب مجلس المحافظة رئيساً تركمانياً هو حسن توران، وهو ما رأت فيه أنقرة «علامة حسن نيّة».
وسبق لرئيس الجبهة التركمانية في العراق، سعد الدين أركيج، أن كشف أن «الزيارة هدفها تقريب وجهات النظر بين التركمان والأكراد»، مشيراً إلى أنه «سيُعقد لقاء بين أردوغان والنواب التركمان في السفارة التركية في بغداد للغرض ذاته»، ومعترفاً بأن «ضغوطاً تمارسها تركيا علينا للمشاركة في حفل افتتاح مطار أربيل الجديد وقنصلية تركيا خلال الزيارة». اجتماع عُقد بالفعل مع التركمان، من ضمن لقاءات جمعت أردوغان بكل من عمّار الحكيم وإياد علّاوي وإبراهيم الجعفري، إضافة طبعاً إلى الاجتماعات الرسمية الأخرى. وعن لقاء أردوغان برئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، والكلمة التعظيمية التي أطلقها البرزاني بحق ضيفه «التاريخي»، رأى شندار أنه «سيُنظَر إليها في تركيا (عند الأكراد خصوصاً) على أنها دعم واضح وكبير لأردوغان» على أعتاب انتخابات 12 حزيران المقبل.
وبعيداً عن السياسة بمعناها الحصري، افتتح أردوغان مطار أربيل الدولي الذي بنته شركات تركيّة، والقنصلية التركية هناك، وفرعاً لمصرف تركي، وأعلن بدء تسيير شركة الطيران التركية الحكومية ـــــ 7 رحلات أسبوعية من إسطنبول إلى أربيل، ورحلتان أسبوعيتان من أنقرة إلى المدينة العراقية ـــــ.