برلين | بعد مرور أكثر من أسبوع على هجمات باريس ازداد حجم الانتقادات الموجهة إلى أجهزة الأمن الفرنسية والبلجيكية خصوصا والأوروبية بشكل عام، إذ ثبت أن معظم المشاركين في هذه العملية كانوا معروفين بالنسبة لهذه الأجهزة وموضوعين على لوائح المراقبة.


فالشرطة الألمانية كشفت أنها سجلت العام الماضي مرور عبد الحميد أباعود، الذي يعتبر العقل المدبر لهجمات باريس من مطار مدينة كولون متوجها إلى تركيا برفقة أخيه ابن الثلاثة عشر عاما. وأثارت هذه المعلومات وغيرها من توقيف المتهم الفار صلاح عبد السلام على الحدود بين ألمانيا والنمسا لفترة بسيطة قبل أن يطلق سراحه في شهر سبتمبر الفائت، أثارت كل هذه المعلومات الكثير من التساؤلات حول أسباب إخفاق الأجهزة الأمنية الأوروبية في متابعة ومراقبة السلفيين المتطرفين والمعروفين بميولهم الجهادية أو بمشاركتهم في القتال في سوريا والعراق.
أجهزة الأمن الأوروبية من جهتها لا تنفي تهمة التقصير، ولكنها تدافع عن نفسها بتزايد القوانين التي تحمي الحريات الشخصية وتحد من المراقبة والتنصت، وخاصة بعد كشف العميل السابق لوكالة الأمن القومي الأميركية "إدوارد سنودن" عن حجم التنصت والتجسس، الذي تمارسه الوكالة على الهواتف والبيانات الشخصية لملايين المواطنين حول العالم، وما تلى ذلك من فضائح كثيرة تتعلق بالتنصت على كبار السياسيين في أوروبا من قبل أجهزة حليفة كالاستخبارات الألمانية الخارجية BND. كل ذلك أدى إلى تراجع ثقة المواطنين بأجهزة الاستخبارات وطبيعة دورها والمهمات المنوطة بها، كما ساهمت هذه الفضائح في نشوء نوع من الحذر في التعامل والتعاون بين أجهزة الاستخبارات في الدول الأوروبية حيث تقدم الاستخبارات في 5 دول من أصل 28 دولة معلومات إلى الاستخبارات في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
وفي هذا الإطار كشف وزير الداخلية الألمانية توماس دي ميزيير "أن حوالي 70 في المئة من المعلومات الأمنية التي تصل إلى الشرطة الأوروبية اليوروبول تأتي من 3 أو 4 دول في أقصى تقدير" بينما تمتنع الدول الأوروبية الأخرى عن تزويد "اليوروبول" بالمعلومات الأمنية التي تملكها، ويعود ذلك إلى تزايد النزعة القومية المحلية في الاتحاد على حساب الاتحاد الأوروبي كمنظومة موحدة.
وعلى الرغم من ترحيب مفوض الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي ديمتريس أفروموبولوس بالقرارات التي جرى التوصل اليها في اجتماع وزراء داخلية الاتحاد يوم الجمعة الفائت واعتباره ان " أوروبا نجحت في ايجاد الرد المناسب" على الهجمات، عبر تشديد الرقابة على الحدود الأوروبية ومكافحة تهريب الأسلحة وتطوير مستوى التعاون بين الاستخبارات الأوروبية، بالإضافة إلى تخزين المعلومات المتعلقة بحركة المسافرين لأغراض مكافحة الإرهاب. إلا أن هذه القرارات عينها جرى التوصل اليها سابقا في أعقاب هجوم "شارلي أيبدو" مطلع العام الجاري في باريس، ولكن تنفيذها اصطدم بعقبات كثيرة لم تقتصر على انعدام الثقة بين هذه الأجهزة بل بعقبات لوجستية ومادية أيضا،
إذ يرى الخبراء أنه في ظل فشل دولة كفرنسا استخباريا في مواجهة تحركات الإرهابيين فإن الدول الأوروبية الأخرى الأقل قدرة على الإنفاق على القطاع الأمني كاليونان والبرتغال مثلا، قد تكون معرضة لكوارث إذا قرر الإرهابيون استهدافها.
في المقابل ارتفع حجم الإنفاق على الأجهزة الأمنية في ألمانيا وتحديدا في مجال مكافحة الإرهاب بقرابة ملياري دولار منذ هجوم شارلي أيبدو وحتى اليوم، كما أن الحكومة الألمانية وضعت خططا لرفع عدد العاملين في الأجهزة الأمنية بنسبة كبيرة خلال العامين المقبلين.
وفي هذا الإطار يشك خبير شؤون الشرق الأوسط والإرهاب "يوخن هيبلر" في أن ما يقال عن حرب الخير ضد الشر، وما يعلنه السياسيون الأوروبيون من "نجاحنا وإصرارنا على منع الإرهابيين من تحقيق أهدافهم، عبر التمسك بقيم الحرية والديمقراطية“ سيبقى حاليا حبرا على ورق، فالإرهابيون يفكرون بطريقة استراتيجية ويسعون فعلا لتكبيد الدول المنغمسة في الحرب ضدهم المزيد من الخسائر على الصعيد المادي، فإجراءات الحماية الأمنية وإعلان حالات الطوارئ واستنفار أجهزة الأمن يترتب عليها تكاليف مادية ضخمة، لا بل أن مجرد إنذار بوجود قنبلة على متن طائرة ما، كما حدث في الأيام التي تلت هجمات باريس، واضطرارها للهبوط يعني تكاليف باهظة تتحملها الدول المعنية. وهذا بحد ذاته هدف يعمل الإرهابيون على تحقيقه.
ويتفق ذلك مع تصريحات الخبير الاقتصادي الألماني "تيلمان بروك"، الذي يرى أن من الصعب تحديد التكاليف المادية التي تصرف على الصعيد الدولي لمواجهة الإرهاب، ولكنه يعتقد أن العالم كان يمكن أن يكون أكثر ثراء بنسبة 10 إلى 20 في المئة لولا وجود الإرهاب، وكان يمكن أن تستثمر هذه الأموال في قطاعات أخرى للتنمية والتربية والتعليم والاندماج.
من جهته يرى أحد الخبراء الأمنيين الألمان أن كل القرارات الحكومية هي مجرد عوامل مساعدة، ولكنها غير كافية لتقديم ضمانات أمنية قطعية، فهذا الأمر شبه مستحيل، ويقدم ألمانيا مثالا، حيث يعيش فيها ما يقارب 43 الفا من المحسوبين على الجماعات الإسلامية، يوجد بينهم حوالي 420 شخصا ممن يؤمنون بالسلفية الجهادية ويعتبرهم جهاز أمن الدولة مصدر خطر. فبعد تقديرات نقابة الشرطة في ألمانيا بأن وضع شخص واحد من هؤلاء تحت المراقبة على مدار الساعة يحتاج إلى 25 عنصر شرطة يوميا، وذلك لضرورات التمويه والتضليل وعدم جذب الأنتباه او إثارة الشكوك. فهذا يعني انه لمراقبة كل هؤلاء الأشخاص الخطرين يحتاج الأمر حسابيا إلى أكثر من 10 الاف شرطي يوميا، وهذا مستحيل طبعا لوجستيا.
ويرى الخبير الأمني أنه في المعركة الدولية ضد الإرهاب وعلى الرغم من تحقيق بعض النجاحات على صعيد إفشال عدد من الهجمات الإرهابية واعتقال أو تصفية بعض الإرهابيين، إلا أن الجماعات الإرهابية قد تمكنت من تسجيل عدد أكبر من الأهداف على مستويات عدة، أولها الجانب الاقتصادي كما سبق الذكر وثانيا على صعيد الخسائر البشرية فقد أوقعت الهجمات عددا كبيرا من الضحايا وثالثا على الجانب النفسي فقد نجح الإرهابيون في بث حالة من الهلع والخوف في عدد من المدن الأوروبية في فرنسا وبلجيكا وألمانيا التي أعلنت فيها حالات الطوارئ وأقفلت المدارس والغيت مباريات لكرة القدم وحفلات موسيقية وفرض منع التجول، وهذا الأمور كلها تشكل مساسا بالحريات العامة واسلوب العيش الأوروبي الحر الذي يستهدفه الإرهابيون حسب ما أعلن السياسيون الأوروبيون.
ويذهب الخبير الأمني أبعد من ذلك، حيث يعتبر أن هناك جانبا آخرلا يقل خطورة وهو أن تكرار الإنذارات الكاذبة وامتناع الحكومة عن إطلاع المواطنين على طبيعة المخاطر التي تتهددهم أو المعلومات التي تملكها، تجنبا لإثارة الهلع بين المواطنين أو لحماية مصادر المعلومات، كل ذلك سيؤدي إلى تراجع الشعور بالحذر والثقة في الإرشادات الحكومية وتنامي حالة من التراخي مجددا قد تتيح للإرهابيين توجيه ضربات موجعة.
ويختم الخبير الأمني كلامه بأن أوروبا تقف اليوم حائرة بين التمسك بقيم الديمقراطية والحرية الشخصية من جهة أو تشديد الرقابة الأمنية وإطلاق يد أجهزة الاستخبارات من جهة ثانية، مع ما يعنيه ذلك من نجاح الجماعات الإرهابية في تحطيم هذه القيم أو أقله تقييدها في أوروبا وتسجيل هدف إضافي.