واشنطن | يؤكد محللون عسكريون أن القوات الحكومية الليبية الموالية للعقيد معمر القذافي تسيطر الآن على ساحة المعارك في ليبيا وهي صاحبة اليد العليا، رغم استمرار وصف مسؤولين بريطانيين وغربيين نظام حكم القذافي بأنه «يترنح» في الداخل.

ويعزو هؤلاء ذلك إلى استفادة القوات الحكومية، إلى حد كبير، من التغييرات التكتيكة، الأمر الذى أدى إلى إحرازها مكاسب بارزة ومهمة على حساب معارضيها المسلحين من طريق الاستعانة بوحدات صغيرة أكثر ذكاءً وتدريباً ومرونة، كان من الصعب استهدافها جواً بواسطة الطائرات الأميركية والفرنسية والبريطانية.
واعترف رئيس أركان العمليات البحرية الأميركية، الأدميرال غاري روغهيد، بأن التغيير الذي أجرته القوات الحكومية الليبية بالنسبة إلى تكتيكاتها العسكرية أدى بالفعل إلى تعقيد مهمة غارات التحالف الجوية في الأيام الأخيرة. وأوضح أن تفتيت قوات القذافي إلى وحدات متناهية الصغر، بحيث يصعب التمييز بينها وبين قوات المتمردين بسهولة، جعل من الصعب مهاجمتها بسبب طبيعة الوجود العسكري لقوات التحالف لعدم نشرها براً.
وقد تزامن ذلك مع الحديث عن وجود خلافات داخل معسكر المعارضين للقذافي يعزوها خبراء إلى طبيعة التشكيلة الاجتماعية في ليبيا، وهو ما ينعكس على تركيبة المعارضة الليبية التي يمكن وصفها بالمزيج من الجماعات والقوى، الأمر الذي يُسهم في ظهور تناقضات في صفوفها، إلى جانب أن الطبيعة المعقدة للنزاع في ليبيا قد تفسر الاختلافات الموجودة في قراءات قرار مجلس الأمن الدولي حول ليبيا. ويشدد هؤلاء الخبراء على أن القصف الجوي، الذي تقوم به طائرات حلف شماليّ الأطلسي، لا يحل الأزمة الليبية، التي تبدو أنها تتجه إلى حالة من الجمود بفعل حالة من التقسيم المؤقت للبلد، بين شرق تسيطر عليه المعارضة، وغرب تسعى القوات الحكومية إلى إخضاعه لسيطرتها.
ويؤدي العامل الاجتماعي القبلي دوراً في هذا الشأن؛ فقد تبين، بعد أكثر من 45 يوماً من الصراع المسلح، أن القذافي يحظى بتأييد قبلي في غرب ليبيا وجنوبها وفي الجيش. وسيفقد المؤيدون للقذافي الكثير في حال سقوطه. وقد أثبت هؤلاء أنهم في مجموعهم أقوى بكثير من المعارضة المسلحة. وخلافاً لمزاعم سادت، لم يحكم القذافي ليبيا على مدى الأعوام الاثنين وأربعين الماضية لأنه غبي، ولا لافتقاره إلى الدعم والتأييد. لقد كان دوماً يغدق على أصدقائه ويعاقب ويضعف أعداءه، وكان مؤيدوه متحمسين له. وقد قيل إن القذافي مستمر في الحكم بالقوة فقط، وإن الانتفاضة الديموقراطية ستطيحه سريعاً. وحقيقة الأمر أن القذافي يحظى بتأييد نسبي ليس بالقليل، وأن المعارضة ليست ديموقراطية، ولا متماسكة أو منظمة. ومن الواضح أيضاً أنها تخلت عن إصرارها السابق على قتال القوات الحكومية على طول الطريق المؤدي إلى العاصمة طرابلس، وخاصة مساعيها إلى السيطرة على سرت التي تُعَدّ الخط الجغرافي الفاصل بين شرق ليبيا وغربها.
ويؤكد الباحث الاجتماعي التونسي، المولدي الأحمر، ضرورة معرفة «الأسس الاجتماعية ـــــ التاريخية التي يقوم عليها نظام العقيد القذافي وخصائصها الأنتروبولوجية التي تعطي لحكمه كل عناصر الاستبداد الصارم، ما يمنحه هامشاً واسعاً للمناورة يسمح له بمقاومة خصومه وبتغيير مواقفه بسهولة، من دون أن يسبب ذلك تآكل قوته بنحو حاسم».

تعقيدات الوضع القبلي

ويعزو محللون أهمية منطقة سرت إلى أنها تمثّل المعقل القبلي للعقيد القذافي، وأن قبائلها تمثّل مجموعة متجانسة يمكنها التصرف سياسياً بنحو موحد. في الوقت نفسه، مثلت قبيلة القذاذفة، من الناحية الديموغرافية، القبيلة الأقل عدداً ووزناً بين القبائل الليبية الأخرى، وأفرادها مصنفون محليّاً على أنهم «مرابطون»، أي ينتسبون إلى ولي صالح ويعيشون تحت حماية مجموعات قبلية مجاورة، تُعَدّ تاريخياً أكثر قوة وبأساً، مثل أولاد سليمان وورفلة. لذلك، يتوقع المحللون أن تستميت هذه القبيلة، المستفيدة من حكم أحد أبنائها للبلاد، في الدفاع عنه في سرت.
ويرى الأحمر، في دراسة نشرها مركز الجزيرة للدراسات، أن وجود أربعة عناصر أساسية تجعل من الوصول إلى منطقة سرت أمراً في منتهى الأهمية بالنسبة إلى المعارضة المسلحة، وتطرح عليها العديد من الأسئلة التي ما كانت تواجهها قبل الوصول إلى هذه المنطقة.
ويتمثل العنصر الأول في أن منطقة سرت الغربية، تفتح مباشرة على تضاريس جديدة ستتغير فيها ظروف القتال وتقنياته وطرق إدارته، ما سيؤدي إلى تباطؤ التقدم على الأرض، إذا ما جوبه مقاتلو المعارضة بمقاومة من القوات الحكومية، وهذا سيعطي القذافي وقتاً كافياً كي يكثف من مناورات تفكيك الأحلاف المناهضة له.
أما العنصر الثاني فهو أن تجاوز سرت يعني الدخول إلى منطقة ذات وزن ديموغرافي وحضري كبير، وقرب مراكزها السكانية بعضها من بعض، قياساً بالدواخل الصحراوية، وهو ما منحها تاريخياً ميزة التواصل الاجتماعي المكثف بين قراها ومدنها، حيث مثّلت مناطق مصراتة والخمس ومسلاتة المنفتحة على البحر أو القريبة منه ومناطق بني وليد وترهونة في الدواخل، في تاريخ ليبيا الحديث، امتداداً سياسياً باتجاه الشرق لمدينة طرابلس، بينما مثّلت مدينتا الزاوية وزوارة امتدادها في اتجاه الغرب. ومقابل هذين الجناحين توجد منطقة الجبل الغربي، حيث مدينة الزنتان التي تحاصرها القوات الحكومية منذ أكثر من أسبوعين، وهي المنطقة الأكثر حيوية بالنسبة إلى طرابلس من بين كل المناطق الداخلية المحيطة، لأنها تفتح على منطقة فزان ومن ثم على دواخل أفريقيا، وهو ما يعني أن مقاتلي المعارضة المسلحة إذا ما جوبهوا بالمقاومة خلال تقدمهم نحو هذه المناطق، يمكن أن يصبح العنصر الديموغرافي وكثافة التواصل بين المدن في غير مصلحتهم.
ويرى الأحمر أن التراكمات السياسية التاريخية، التي جرت في المنطقة الطرابلسية، منحتها هوية محلية خاصة، استغلها تاريخياً باشوات طرابلس في إدارة صراعهم السياسي مع ثوار الدواخل، ثم اعتمدها في ما بعد زعماء الحركة الوطنية لمقاومة تأثير الحركة السنوسية السياسي على الأوساط التي ينشطون فيها. وقد ترتب على هذه الوقائع أن أهل الشرق وأهل الغرب في ليبيا يحسون بأن هناك تمايزاً سيكولوجياً واجتماعياً بين الطرفين يمكن أن يستغل للتفريق بينهما، وهذا هو أحد التحديات التي قد تواجهها المعارضة المسلحة في تقدمها إلى ما بعد سرت.
أما العنصر الرابع، وهو كما يقول الأحمر الأكثر تعقيداً، فيتمثل في الأسس الاجتماعية والأصول السكانية التي يقوم عليها نظام حكم العقيد القذافي؛ إذ إن الإرث السياسي الذي يشتغل به القذافي يتمثل في أن صناعة السياسة من صناعة المجموعات الزعامية، وأن الهشاشة الداخلية متأصلة في مثل هذه المجموعات التي لا يمكن المحافظة عليها إلا بتوزيع المنافع واستعمال العنف.
ويعتقد الأحمر أن ما سيواجهه مقاتلو المعارضة في سرت، في حال وصولهم إليها وما بعدها، هو «مجمل التقاطعات التي يمكن المال والمنافع الاعتبارية والعنف أن يحدثها داخل نسيج العناصر الثلاثة السابقة، التي يخترقها القذافي بمجموعته السياسية الزعامية الفذة».
وإضافة إلى تلك العوامل، إنّ اللجان الثورية التي أنشأها القذافي من كل المناطق والفئات الاجتماعية، هي الأداة السياسية التي يعتمد عليها، حيث تمثّل نخبتها همزة الوصل بين القذافي والعائلات الوجيهة في كل مكان، التي يحشد منها الأنصار ويراقب الخصوم.
ويحتكر أعضاء هذه النخبة المناصب المفصلية في الدولة، ويحصلون بذلك على منافع كبيرة توفرها لهم عوائد النفط بطرق متعددة وبطريقة جدلية، يتحولون بدورهم بالنسبة إلى القذافي إلى آلية سياسية تضمن له احتكار الزعامة. لذلك، إن المواقف السياسية للسكان وعلى المستوى المحلي يصنعها أعضاء اللجان الثورية والقيادات الشعبية، وحلقات وصلهم العائلية داخل القرى والمدن ومختلف المجموعات العرقية المنتشرة في دواخل ليبيا.
لذلك فإن المعارضة المسلحة التي تتطلع إلى ما بعد سرت لن تتعامل مع وحدات قبلية متجانسة، بل مع سوق سياسية في ذروة نشاطها في المنطقة الطرابلسية، «بضاعتها الولاء السياسي للزعيم، وأداتها المساومة على الثمن، وهي سوق ليست في متناول الجميع، وتترك جانباً الكثير من المحرومين والمظلومين والزاهدين في مثل هذه المنافع، وهؤلاء لا يستطيعون المجاهرة بمعاناتهم نتيجة خوفهم من العقاب وارتباطهم بطرق شتى بمن يمسك بالمال والسلاح».
أما بالنسبة إلى المعارضة المسلحة، فإن أهمية سرت وما بعدها، أنها تضعهم بنحو مكثف في أتون فخاخ السلاح والقرابة الزبونية والزعامة؛ فالتضاريس وخصائص الهوية التاريخية للمنطقة الطرابلسية قد تزيد فخ السلاح، الذي جرهم إليه القذافي متعمداً، قسوة وتعقيداً؛ لأن استعماله المكثف ضد السكان قد يؤدي بهؤلاء إلى تأكيد تحالفهم مع القذافي بالفعل لا بالحياد.