واشنطن | الفشل الذي حظيت به حتى الآن مقترحات بعثة الاتحاد الأفريقي لحل الأزمة الليبية، برفضها من أحد طرفي الصراع وهو المجلس الوطني الانتقالي، مدعوماً من بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة، يضع الأمر برمته في خانة «الجمود»، فيما يعتقد بعض متطرفي اليمين الأميركي بإمكان تطبيق ما حدث يوم الاثنين في أبيدجان بساحل العاج، من الهجوم على مقر لوران غباغبو، واعتقاله، على الوضع في ليبيا التي يرفض زعيمها العقيد معمر القذافي مطالب المعارضة بالتنحّي عن السلطة.


ويقول هؤلاء المتطرفون إنه يمكن الرئيس الأميركي باراك أوباما وحلف شمالي الأطلسي النزول إلى الأراضي الليبية لطرد القذافي، إذا تيقّنا من أنه ليس هناك نهاية لقتل المدنيين، مثلما حدث فى ساحل العاج.
ويشير هؤلاء إلى أن الصراع في ليبيا اتخذ منحى آخر، بعدما تسلّلت قوات القذافي إلى عدد من المدن لقتل المزيد من المدنيين المعارضين، وأصبحت خطوط القتال ضبابية، ما يدفع إلى ضرورة أن تتحول مهمة التدخل الأجنبي من حماية المدنيين إلى إحراز نصر عسكري.
وتسعى جامعة الدول العربية، التي قدمت الغطاء للتدخل العسكري الغربي في ليبيا، إلى جانب مجموعة الاتصال حول ليبيا (في الدوحة)، في اجتماعاتها يومي الأربعاء والخميس، إلى البحث عن حلول ومخارج سياسية للأزمة الليبية.
وقد انتقل المشهد في ليبيا من انتفاضة لتغيير النظام إلى معارك حربية ومؤتمرات في عواصم غربية لدعم المعارضين المسلحين في المنطقتين الشرقية والغربية. وأصبحت الأوضاع تدور في دائرة مغلقة، وبات تقرير مستقبل ليبيا يرسم خارجها.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه قيادة العمليات العسكرية الأجنبية عن تقدم قوات المعارضة وسيطرة المجلس الوطني الانتقالي الليبي على الأوضاع في المنطقة الشرقية من ليبيا، التي يصفونها بـ«المحررة»، لا تزال بعض أجزاء المنطقة الشرقية تخضع لعمليات الكر والفر بين المعارضين والقوات الحكومية الليبية التي دخلت وخرجت مرات عديدة من أجدابيا والبريقة ورأس لانوف وبن جواد والعقيلة، رغم تواصل عمليات القصف الجوي التي تنفذها قوات حلف الأطلسي، فيما يسبّب الصراع الذي لا تبدو له في الأفق نهاية ضياع وتبديد مقدرات الشعب الليبي وثرواته.
وتسود أوساط المحللين والمراقبين والسياسيين المخاوف من حالة الجمود الحالي في الموقف العسكري الذي يمكّن المعارضين من السيطرة على المنطقة الشرقية، فيما يسيطر القذافي على المنطقة الغربية، انتظاراً لمفاوضات بين الجانبين، يمكن أن يطول أجلها من دون حل، وإمكان إطالة أمد الصراع المسلح من دون حسم من الطرفين، نتيجة الطبيعة الجغرافية لليبيا والمسافات الكبيرة بين المدن، حيث يصعب على أي طرف نقل قواته ومعداته لمسافة كبيرة من دون توفير غطاء جوي. فالقوات الحكومية الموالية للقذافي لن تستطيع ذلك، نظراً إلى فرض منطقة حظر الطيران، وقوات المعارضة لن تستطيع فعل ذلك رغم توافر الحماية الجوية الغربية، نظراً إلى افتقادها التنظيم والأسلحة والمعدات الكافية والدعم اللوجستي اللازم.
لذلك، توقعت مصادر أميركية أنّ تدخّلاً عسكرياً برياً في ليبيا سيكون محل جدل في المستقبل، بغض النظر عن نتائج القتال الداخلي بين القذافي ومعارضيه. وهو ما يثير إمكان مواجهة الأمم المتحدة وأطراف أخرى في التحالف الذي تدعمه الولايات المتحدة، مشكلة أخلاقية أخرى، وهي ضرورة الاستعانة بقوات برية لإلقاء القبض على القذافي أو قتله ـــــ وهو الإجراء الذي يرى أوباما وآخرون أنه غير مرغوب فيه الآن ـــــ وإن كانوا يعتقدون أنه مطلوب من أجل إحراز هدف حماية المدنيين.
ومن الواضح أن نمط التدخل العسكري الواسع النطاق في ليبيا، هو نموذج كثيراً ما سعت القوى الغربية إلى الوصول إليه منذ فترة من الزمن في المناطق التي تتهدد فيها مصالحها المباشرة، وخصوصاً ما يتصل بإمدادات النفط.
4 سيناريوات للحل
دفعت تعقيدات الوضع الليبي المحللين إلى وضع أربعة سيناريوات للخروج من الأزمة: يتمثل أوّلها بموافقة القذافي وأولاده على التخلّي عن السلطة، مع فتح الطريق لانتخابات ديموقراطية حرة تؤدي إلى حكومة شرعية تمثّل الشعب بجميع أطيافه، وتلقى دعماً من المجتمع الدولي، وهو الأمر الذي سيساعد على استقرار المنطقة.
أما السيناريو الثاني فيتمثّل في انتصار المعارضة المسلحة في المعارك القتالية بدعم من قوات الأطلسي، إلا أنه يخشى من وصول نظام ديكتاتوري آخر، وخصوصاً مع ما تشيعه تقارير غربية عن نفوذ عناصر جهادية تعمل على تدريب أفراد المعارضة عسكريّاً، ما يمنحها موقعاً قياديّاً في المعارضة المسلحة، وهو ما يخشاه الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة التي لا تزال تصرّ على ضرورة معرفة هويات قيادات المعارضة الليبية، رغم أن خبراء يعتقدون أن ذلك يدخل في باب الابتزاز.
ويتمثل السيناريو الثالث في استمرار المعارك من دون ترجيح كفة على أخرى، بحيث يؤدي إلى انشقاق البلاد وانقسامها. وهذا السيناريو مخيف بالنسبة إلى الأطلسي وقوات التحالف، إذ لن يكون أمامها إلا التدخل العسكري. ثم السيناريو الأخير، وهو انتصار العقيد القذافي واستعادته السيطرة على كافة أنحاء البلاد.
ويتخوّف بعض المحللين من الاتجاه إلى الحديث عن الحل السلمي ووقف القتال، ليصل في نهاية الأمر إلى تقسيم ليبيا. وقد أوضح هذا الرأي رئيس مجلس العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، ريتشارد هاس، في جلسة استماع عقدتها اللجنة يوم السابع من نيسان الجاري، مشيراً إلى أن بقاء القذافي لمدة محددة في الحكم ستكون فترة الاتفاق على التقسيم، على أن يكون الشرق من أجدابيا حتى طبرق للمعارضة المسلحة، والغرب من سرت ومصراتة للقذافي، واستثناء هلال النفط في الزويتينة والبريقة ورأس لانوف بامتداد العمق جنوباً لضم حقول البترول كمنطقة محايدة يتحكم فيها الغرب. ويتطلب ذلك وضع قوات دولية على الأرض لحفظ السلام.
وقد أعرب توم مالينوسكي من منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في الجلسة ذاتها، عن أن قبول أوباما بتقسيم ليبيا يعني فشل سياسة التدخل العسكري التي تقوم في الأساس على الحفاظ على وحدة ليبيا. وقد سبق لوزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أن قال، قبل أكثر من شهر، إن أي نتيجة يسفر عنها تقسيم ليبيا هي «وصفة حقيقية لانعدام الأمن». وفي نهاية المطاف، فإن النتائج النهائية للوضع في ليبيا ستبقى رهناً بقدرات طرفي الصراع على الصمود والحسم.




كوسا والحرب الأهليّة


حذّر وزير الخارجية الليبي السابق المنشق، موسى كوسا، من مخاطر اندلاع حرب أهلية في بلاده وتحويلها إلى صومال جديد، وشدد على أن وحدة ليبيا هي الأساس لأي تسوية. وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، قال «إن حل الأزمة الراهنة في ليبيا سيأتي على أيدي الليبيين أنفسهم، عبر حوار ونقاش ديموقراطيين».
وأضاف كوسا «أطلب من الجميع تجنيب جر ليبيا إلى حرب أهلية، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى إراقة الكثير من الدماء وتحويل البلد إلى صومال جديد، ونحن نرفض تقسيم ليبيا، ونرى أن وحدة أراضيها هي الأساس لأي حل وتسوية».
وكان كوسا قد وصل إلى الدوحة أمس «للاجتماع بالحكومة القطرية وعدد من الممثلين الليبيين، لطرح رؤية قبل اجتماع مجموعة الاتصال»، حسبما ذكر متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية.
(رويترز)