باريس| يصعب على السياسيين الفرنسيين، وعلى أي مراقب، تصديق «مقولة» عدم مشاركة القوات الفرنسية في اعتقال الرئيس السابق لوران غباغبو. مع ذلك، يؤيد مسؤولو الأحزاب هنا «التدخل الإنساني» في ساحل العاج، ما عدا شرائح أقصى اليسار والحزب الشيوعي. أما المواطن الفرنسي، فهو يصغي إلى ما يقوله له مقدمو النشرات الإخبارية التي تنقل ما يقوله الناطقون الرسميون، دون أن يمنع هذا المراسلين من «إمرار بعض الإشارات» التي لا تغيب عن المراقب بشأن «الضربات التي سبقت الاعتقال»، ما دفع مصدراً مقرباً من الملف إلى القول شرط كتم هويته: «لقد أسكتنا الحرس وخلعنا الباب وتركناه مفتوحاً لميليشيا وتارا» ليقبضوا عليه. ويوافق المصدر على أن «الأيام سترسم حدود الدور الحقيقي الذي كان للقوات الفرنسية».

مستشار لوران غباغبو الموجود في فرنسا عقد مؤتمراً صحافياً لاستنكار ما وصفه بـ«خطف رئيس دولة» على يد القوات الخاصة الفرنسية. ووصف هذا العمل بأنه «انقلاب يهدف إلى السيطرة على ثروات ساحل العاج». يوافق هذا التحليل قسم من العاجيين المؤيدين لغباغبو المقيمين في فرنسا، بينما يتخوف القسم الآخر من أن يكون هذا صحيحاً وأن تكون فرنسا «قد عادت لاستعمار البلد»، وإن هم تنفسوا الصعداء بعد الانتهاء من حكم غباغبو.
وكتبت صحيفة «ليبراسيون» أن انتصار الحسن وتارا «يكشف عن الضعف الذي يواجهه». وأضافت أن «الذي أخرج خصمه من القصر، هو قوات الأمم المتحدة التي يقودها جيش المستعمر السابق». وتابعت قائلة إن هذه المهمة التي قامت بها فرنسا «تبدو، وإن كانت تستند إلى قرار للأمم المتحدة، شبيهة بالتدخلات السابقة».
ويقول أحد العاجيين، الذي يصف نفسه بأنه «محايد»، إن العملية العسكرية تعود إلى رغبة ساركوزي «في الانتقام من غباغبو وتنصيب صديقه وتارا». ويذكر بأنه إلى جانب المصالح الاقتصادية المتعددة التي تربط فرنسا بمستعمرتها السابقة، ثمة عدة ملفات عالقة سببت تباعداً بين غباغبو وباريس. ويشير المراقبون إلى أن ساركوزي «لم يتقبل الإهانة» التي وجهها إليه غباغبو عندما طلب منه الخروج من أبيدجان خلال ٢٤ ساعة، فرد هذا الأخير ضاحكاً متهكماً، ما دفع المقربين من قاطن الإليزيه إلى إخراج المثال الفرنسي القائل «يضحك كثيراً من يضحك أخيراً».
يتخوف الجميع من أن يكون هذا السجال الدائر حول المشاركة الفرنسية عائقاً أمام عودة الحياة الطبيعية، وخصوصاً أن الصحافة العالمية بدأت تصف تصرف باريس بـ«نيوكولونيالي»، وأن الرئيس الجديد الحسن وتارا يتسلم الحكم والبلد منهار والاقتصاد منهَك، رغم إعلان باريس تقديم مساعدة عاجلة بقيمة ٤٠٠ مليون يورو.
وبالطبع، سيسعى وتارا إلى نوع من المصالحة الوطنية في البلد المنقسم، حيث إن ٤٦ في المئة من العاجيين صوتوا لمنافسة الزعيم الذي سيق إلى السجن. والخوف ليس فقط من عدم قبول نحو نصف العاجيين الرئيس الجديد، بل أيضاً من الميليشيات التي تدعمه والتي يتخوف الجميع من سعيها إلى «الانتقام الاثني»، وهو ما يفسر كلمة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي ألح على واتارا لـ«تجنب حمام دم» جديد، وطلب عدم القيام بعمليات انتقامية، في ظل الأخبار الواردة من غرب البلاد، حيث أمعنت ميليشيات الشمال قتلاً بالقبائل المؤيدة لغباغبو، وتتحدث الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية عن «مجازر وحشية».
إلا أن المسألة العويصة ستكون في ما يمكن فعله بالرئيس السابق، بعد التأكيد أنه سيقدَّم إلى القضاء. إلا أن العديد من المراقبين يرون صعوبة في ذلك، أولاً لأن نصف العاجيين مع غباغبو وتقديمه إلى محاكمة يمكن أن يقضي على الرغبة في مصالحة وطنية، كما يمكن أن يقود إلى نزاعات إثنية وقبائلية، فضلاً عن الصراعات الدينية بين مؤيدي غباغبو المسيحيين، ومؤيدي وتارا المسلمين، وهو ما يتخوف منه الجميع.