بانمونجوم | كانت الرحلة شاقة وطويلة لا تخلو من بعض قلق وتوتر، خوفاً من انفلات الأمور، وخصوصاً في أجواء التصعيد الذي شهدته شبه الجزيرة الكورية خلال الأشهر الأخيرة. قلق يتصاعد داخلك لدى حديثك مع بعض الكوريين الجنوبيين الذين ينظرون الى الكوريين الشماليين على أنهم «مجانين» يمكن أن يغيّروا قواعد الاشتباك في أي وقت. في لحظة التفكير هذه، تأتيك أوامر الضابط المرافق، مسؤول مكتب التعاون المدني العسكري، المقدّم كيم نام هيون، قائلاً «عليكم التزام التعليمات وعدم الحركة من دون سؤالنا، ممنوع عليكم وضع أيديكم في جيوبكم، وممنوع التصوير إلّا لشخص واحد وحسب تعليماتنا».

هو مجرد هاجس لا يصمد طويلاً أمام إدراك حجم البروباغاندا التي يستخدمها الطرفان واحدهما ضدّ الآخر منذ انقسام الكوريتين في عام 1948إلى شمال ستاليني ذي اقتصاد موجّه وسياسة صارمة يحكمها زعيم الحزب الواحد، إزاء جنوب منفتح اقتصادياً وديموقراطي يعتمد تعددية حزبية وانتخابات وحريّات عامة.
بروباغندا تصاحبك عند كل حديث سياسي عن حرب الكوريتين، من دون أن تفكر بتبرئة ساحة الشماليين الذين حوّلوا نظرية إنسانية (الشيوعية) الى غطاء لحكم وراثي خلّد الزعيم الراحل كيم سونغ ايل وأبناءه في جمهورية كوريا الديموقراطية الاشتراكية (الشمالية).
لكن «ارتداد» الشقيق لا يبرّر هذه العلاقة التبعيّة للولايات المتحدة، التي يراها بعض الكوريين ضرورة سابقة لا داعي لها اليوم. بيد أن مدير متحف المدرسة الحربيّة في العاصمة الكورية، يونغ مين شوي، يرى أن دعم الولايات المتحدة لكوريا الجنوبية ضروري جداً في ظل تهديد الشماليين لشبه الجزيرة بأسلحة غير تقليدية. ويقول يونغ «هم أقوى منا عسكرياً بكثير. نحن لا نصمد أمام هجومهم وحدنا، فهم يمتلكون صواريخ بعيدة المدى وقنابل نووية». ويرفض الضابط يونغ وصف المناورات المشتركة الدورية مع الولايات المتحدة، بـ«الاستفزازية»، مصرّاً على أنّ التعاون العسكري مع واشنطن ضرورة قوميّة.
في منطقة بانمونجوم الأمنية يكتشف الزائر مشهداً مختلفاً عن غيره. هنا تنقسم الحدود الى ثلاثة أقسام؛ القسم الأول بطول 5 الى 10 كيلومترات، فيه الجيش الكوري الجنوبي، ومثله على الجانب الشمالي، وفي الوسط منطقة معزولة السلاح يشغلها جنود غير مسلحين من كوريا الجنوبية وست عشرة دولة أخرى، بينها الولايات المتحدة وفرنسا (700 عنصر). يحتاج زائر هذه المنطقة إلى تصريح خاص من دائرة الهجرة.
نقطع جسر تونغيل «الوحدة» بعد شرح مُفصّل من أحد الضباط التابعين للقيادة الأمنية المشتركة. ننتقل في حافلة أخرى تابعة للقوة المشتركة بمرافقة جندي كوري يُتقن العربية باللهجة السعودية، يقول «والدي يعمل في الدمام بشرق المملكة، وهناك ولدت وتعلمت والآن أخدم بلدي».
يبدو كل شيء مختلفاً، هنا منطقة تشبه محراب الصلاة، تبدأ الزيارة بمزيد من التعليمات والاحتياطات الأمنية وتتواصل بصمت مُطبق وفق نظام مرصوص. عناصر كوريون جنوبيون وآخرون شماليون كلهم من دون سلاح في الغرفة نفسها التي تشطرها الحدود نصفين. ثلاث غرف زرقاء طويلة في كل منها طاولات وكراس عديدة، بينها واحدة أساسية يقسمها «الخط الأزرق». في أوقات التفاوض بين أعضاء لجنة التنسيق المشتركة يجلس الشماليون من جهة منطقتهم، ومن الجهة الجنوبية مفاوضون جنوبيون، بحضور وسطاء دوليين من سويسرا والسويد، ينقلون الأفكار بين الجانبين رغم أن لغة المفاوضين واحدة. طبعاً أثناء هذه الزيارة لم يكن هناك كوريون شماليون، فالمراسم المُتفق عليها بين الجانبين تقضي بانسحاب العناصر الشمالية من الغرفة الى مبنى يبعد أمتاراً قليلة. وفق هذا الاتفاق يحصل الشيء نفسه للجهة الشمالية، حيث ينسحب الجنوبيون من الغرفة حين يستقبل الشماليون وفداً زائراً. أما العناصر الذين يقفون على الجانبين، فهم ملتزمون بدقّة في حال التأهب وانضباط شبيه بوضع حراس قصر بكنغهام الملكي البريطاني. جمود يتحلّى به العنصر على مدار 3 ساعات من أي دون حركة، واضعاً النظارة الشمسية «حتى لا يظهر له جفن يرفّ خلال وقت المناوبة»، حسبما يقول المرشد.
ثمة نقاط عديدة على الحدود، منها إدارية ترشد الزوار وأخرى سياحية، حيث المتحف الذي يتضمّن العديد من المعالم والأشياء المتعلقة بالحرب والمرصد الذي يمكن السائح أن ينظر بواسطته الى مناطق مواجهة من خلال مناظير تعمل بالعملة المعدنية. كذلك هناك متجر يبيع تذكارات من الشمال والجنوب. ولعل أكثر ما هو مثير للاهتمام الأنفاق التي حفرها شماليون هربوا الى الجنوب.
لقد دفع الكوريون ثمن الحرب الباردة غالياً، فقد أدى تقسيم البلاد الى ظهور شطر يتبع للمعسكر الاشتراكي وآخر يتبع للمعسكر الغربي. انقسام سبّب حرباً طاحنة بين عامي 1950 و1953، حرباً بدأت بصراعات فكرية بين نظرتين مختلفتين الى الدين والحياة والسياسة والاقتصاد، وانتهت بانقسام عميق لا يزال يعانيه الكوريون حتى الآن، رغم تطورهم التكنولوجي والصناعي (شمالاً تطور على مستوى الصناعة الحربية، وجنوباً على المستوى التكنولوجي والسلع الاستهلاكية).
حرب الكوريتين كانت في المنظور العسكري غير متكافئة، إذ ساهمت 16 دولة، في مقدمتها الولايات المتحدة، الى جانب الكوريين الجنوبيين، فيما وقفت روسيا والصين فقط الى جانب كوريا الشمالية.
هنا على الحدود التي يبلغ طولها 250 كيلومتراً تقريباً، يختصر المشهد تاريخاً طويلاً من النزاع رغم الهدنة التي أعقبت اتفاقية وقف النار في 27 حزيران عام 1953.
وللتداخل بين شطري شبه الجزيرة الكورية قصة أخرى تجدها في مصنع كيه سونغ، هذا المصنع أنشأته كوريا الجنوبية داخل المنطقة الشمالية بالاتفاق والتنسيق مع سلطات بيونغ يانغ من أجل تعزيز الحركة الاقتصادية هناك في بادرة حسن نية. في هذا المصنع يعمل نحو 39 ألف كوري شمالي بإدارة كوريين جنوبيين يعبرون كل يوم الحدود بتصريح خاص. بلغ حجم إنتاج هذا المصنع في عام 2008، نحو 132.56 مليون دولار، حسبما ذكرت وزارة الوحدة في سيول بتقريرها السنوي.
كانت الحافلة تشقّ طريقها بهدوء بالغ وسط مزارع الأرز، حيث لا تمكن رؤية مدنيين إلا ما ندر، فالمنطقة ليست فقط أمنية بل زراعية أيضاً، لكن لا وجود سوى لقرية واحدة من الجانب الجنوبي وأخرى على الجانب الشمالي «وهمية». يوضح الضابط المُرافق أن «قرية «كيجونجونغ» يتيمة في تلك المنطقة الساخنة. ويعمل أهلها البالغ عددهم 212 مواطناً بالزراعة»، أمّا على الطرف الشمالي فيبرّر المسؤول العسكري وصف القرية التي يمكن رؤيتها بالمنظار بأنها «وهمية» ليوحوا بوجود مدنيين. (الشماليون) يخشون وضع سكان في تلك المنطقة حتى لا يهربوا نحو الجنوب. التأم شمل 3613 شخصاً في عام 2007، حسب تقرير لوزارة الوحدة.
وللهروب قصص مدوّنة على جدران المتحف الحدودي الذي أقيم فوق نفق كان قد حفره مواطنون شماليون، هذا النفق الذي اكتُشف في مدينة غورانغبو منذ عام 1974، وهو بطول 8 كيلومترات، لم يكن نهاية المطاف، فقد اكتُشفت ثلاثة أنفاق أخرى بين عامي 1975 و1990، أطولها 16 كيلومتراً.
لا يمكن الحديث عن طرف مُستفِزّ وآخر مستَفَز في قضية الكوريتين التي شهدت تطورات ساخنة خلال عام 2010، فالقصف الشمالي لجزيرة «يونبيونغ» الجنوبية ما هو إلّا حركة في سياق لعبة شدّ ورخي بين الطرفين، ولا سيما أمام التحركات العسكرية الفاضحة للبحرية الأميركية في المنطقة. لعبة من شأنها تحسين شروط كل طرف على حدة تمهيداً لتسوية محتملة أو لحرب حاسمة.
فالجنوبيون دائماً يظهرون بمظهر الضحية التي تعرضت للقصف من الشمال من دون أي سبب، فيما يتوجس الشمال خيفة من استفزازات جنوبية أميركية مشتركة، على شكل مناورات متواصلة في البحر الغربي (الأصفر). استفزازات وجدت طريقها نحو المنطقة في ظل مناخات توريث زعامة القلعة الشيوعية العصية من كيم يونغ إيل إلى نجله الشاب كيم يونغ أون.
أمّا المراقبون فيتذبذبون بين موقفين: موقف ينظر إلى القضية بعيون أميركية فيتّهم النظام الشيوعي بإثارة الوضع الأمني لتغطية أجواء التوريث الجارية في البلاد، وفي الوقت نفسه ابتزاز الغرب لتقديم مساعدات إنسانية لبيونغ يانغ. وموقف آخر يرى أن الأميركيين يحاولون هزّ العصا بوجه كوريا الشمالية، معتقدين بناءً على معلومات من دوائر القرار في سيول، بأن الوريث الجديد للسلطة الشمالية غير قابل للاستمرار ولا يتمتع بكاريزما القيادة.
في أي حال، الدعاية الحربية بين الجانبين وصلت الى مرحلة تصعيدية غير مسبوقة، منذ تجربة بيونغ يانغ النووية في عام 2008. فعلى الطرف الجنوبي تقول سيول، إن التهديد الفوري الذي يمثله الشمال تزايد بعدما نشرت بيونغ يانغ 20 ألف جندي إضافي من قوات الحرب الخاصة بالقرب من الحدود (عدد الجنود الإجمالي في الشمال 1,19 مليون جندي)، وبعدما تجاوز عدد الدبابات الـ4000 دبابة. أكثر من ذلك، عادت هذه العاصمة ذات الوجه الغربي، الى استخدام عبارة «العدو» لوصف كوريا الشمالية بعدما كانت قد أسقطتها عام 2000.
ويجمع الجنوبيون على الخوف من حرب محتملة مع الشماليين، لكنهم يأملون في المقابل أن تتوصل جهود السلام من خلال اللجنة السداسية واللقاءات المشتركة الحدودية الى سلام، يجمع أبناء العائلة الواحدة في بلد واحد، خصوصاً أن جنوبيين كثيرين لا يرتاحون الى العلاقة مع الولايات المتحدة.




خطوات تطبيعيّة

رغم التوترات الأمنية بين الجانبين التي تظهر الى العلن بين وقت وآخر، قطع البلدان شوطاً كبيراً في التعاون الثنائي، خصوصاً بعد صدور البيان المشترك بين سيول وبيونغ يانغ في 4 تموز عام 1972، الذي أعلن بدء حوار وتبادلات محدودة، شملت الصليب الأحمر واجتماعات لجان التنسيق المشتركة في الغرف الزرقاء. لعل أول غيث الإنجازات في العلاقات المشتركة كان في عام 1985، حين عُقد أول لقاء لأسر كورية مشتتة. ثم بدأت رحلات سياحية كورية جنوبية في مجموعات الى جبل كومكانغ في الشمال، حيث القمم العالية. وفي عام 2000 كان اللقاء التاريخي الأول من نوعه بين زعيم كوريا الشمالية، كيم يونغ إيل ورئيس كوريا الجنوبية كيم دي جونغ. لقاء دشن العديد من الخطوات التعاونية الأخرى مثل توحيد فرق الكوريتين الرياضية خلال مراسم افتتاح اولمبياد سيدني عام 2000 وبدء العمل بمجمع كي سونغ الصناعي. وبعد عام 2007. بدأت رحلات سياحية الى مدينة كيه سونغ، عاصمة مملكة كوريو التاريخية.