الرجل مميز وقاضٍ لامع. وصل في سن مبكرة إلى مناصب قضائية رفيعة، قائم بأعمال الغرفة الخامسة لـ «الجلسة الوطنية»، إحدى أبرز المحاكم الإسبانية، المتخصصة في القضايا الحساسة والخطيرة. أطلّ في بداية التسعينيات، ليتحدى ميدانياً مافيات المخدرات التي كانت آنذاك لا تُطال. عام 1993، اعتزل القضاء للسياسة، إذ انتُخب كمستقل على لائحة الحزب الاشتراكي، آملاً الحصول على وزارة العدل، لكنه لم يحظَ إلا بمديرية مكافحة المخدرات.

في عام 1994، هجر السياسة الحزبية وعاد إلى سلك القضاء وواجه تحدياً كبيراً: حقق في علاقات الـ «غال»، وهي مجموعة إرهاب دولة لجأ إليها وزير الداخلية الاشتراكي في حكومة فيليبي غونزاليس لمحاربة منظمة الـ «إيتا» الباسكية، وأدّت تحقيقاته دوراً حاسماً في اعتقال الوزير، وفي سقوط الاشتراكيين في انتخابات عام 1996.
بين عامي 1998 و2002، انكبّ غارزون على ملف «إيتا»، ونجح في إقفال عدد من وسائل إعلامها وفي منع «باتاسونا»، ذراع المنظمة الباسكية السياسي. عام 2001، اتهم الـ «بي بي في آه»، ثاني أكبر مصرف إسباني، بتبييض الأموال.
لا أحد استطاع أن يلجم غارزون الذي لا تحد أفقه القضايا الإسبانية. اكتشفه العالم عندما تبلّغ الدكتاتور التشيلي المتقاعد بينوشيه في نهاية عام 1998 أن قاضياً إسبانياً أرسل بحقه مذكرة جلب، لتورطه في خطف مواطنين إسبان وتعذيبهم خلال الدكتاتورية العسكرية، والجرائم ضد الإنسانية غير قابلة للعفو، وملاحقة مرتكبيها لا تعرف الحدود. هكذا، حاول استدعاء هنري كيسينجر لمسؤوليته في انقلاب التشيلي، ولاحق برلوسكوني وغوانتانامو والحرب على العراق وأسامة بن لادن. وفي هذه القضية الأخيرة، اعتُقلت، عام 2003 شبكة للقاعدة. والبعض يرى أن هذه الملاحقة كانت مقدمة لتفجيرات 11/3/2004 في مدريد التي أعادت الاشتراكيين إلى السلطة.
في حملته «الدون كيخوتية» لتحقيق العدالة، ترك غارزون وراءه سيلاً لا يجف من الأعداء والخصوم والحاسدين. عندما حاول رئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس ثاباييرو تصفية إرث الفرانكية والتعويض عن ضحاياها عام 2008، اكتشف غارزون أن مبدأه «العالمي» له ترجمة في بلده، فالجرائم ضد الإنسانية غير قابلة للعفو، ولو كانت إسبانية. خلق زوبعة عندما قرر نبش 19 مقبرة جماعية وملاحقة المسؤولين عن جرائم الفرانكية. كُفّت يده ولاحقته الكتائب الفرانكية وتنظيمات يمينية أخرى لتخطّيه حد السلطة. وبدأت مشاكله مع القضاء، ليجري تجميده كقاض حتى تبرئته من القضايا الأخرى المرفوعة ضده.
في موازاة الفرانكية، كشف غارزون عن شبكة «غورتيل» لتبييض الأموال والفساد والإفساد، وأحال بسببها العشرات من مسؤولي الحزب الشعبي اليميني أمام القضاء. طعن هذا الأخير به لـ «عدائه السياسي»، كما رفعت ضده دعوى بسبب عمليات تنصت غير شرعي لجأ إليها خلال لقاءات المتهمين بمحاميهم. بسبب هذا الخطأ، جُمِّد ثانيةً الاثنين الماضي.
أما القضية الثالثة بحقه، فليست مجرد ردّ فعل: غارزون متهم بأنه خلال سنتي تعليمه في جامعة نيويورك عامي 2005 و2006، تلقى أموالاً من بنك سانتاندير (أول مصرف إسباني)، ولهذا السبب كان متسامحاً معه في قضية أخرى. ينفي غارزون والجامعة والبنك التهمة، إلا أن القضية لم تُحسم بعد، وقد يجري التدقيق في حسابات الرجل. وإذا أُثبت خطأ ارتكبه غارزون في إحدى هذه القضايا، فستُكَفّ يده عن ممارسة القضاء لفترة قد تصل إلى 20 سنة، ما يعني فعلياً دمغ سيرته المهنية بالشمع الأحمر.