باريس | يمكن القول إن مسار متابعة الملف السوري دخل في مرحلة دبلوماسية نشطة، وبات على طاولة مجلس الأمن، مدفوعاً من أربع دول أوروبية، بينها فرنسا. رغم هذا، كان موقف باريس حتى فترة قريبة ملتبساً من الوضع في سوريا، في ظل تساؤلات بشأن تقبّل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فكرة «قطع شعرة معاوية» مع الرئيس السوري بشار الأسد، وخصوصاً لجهة محاكاة البعض لقصة التقارب بين باريس ودمشق مع قصة تقاربها مع طرابلس الغرب، قبل الحملة الغربية على العقيد الليبي معمر القذافي. وذكرت مصادر فرنسية مقرّبة من الملف أن ثلاثة أسباب تفسّر التردّد الفرنسي في أخذ مبادرة حيال الموضوع السوري، أوّلها أن خريطة الاحتجاج حتى الآن لم تشمل كل شرائح المجتمع السوري، وأن جزءاً كبيراً من السوريين لا يشاركون في الاحتجاجات، وهو ما يعطيها طابعاً «مجتزأً».


وثانيها أن تركيبة المجتمع السوري تفرض على باريس التروّي بحكم وجود تنوّع طائفي وديني، بعضه غير ممثّل في الحركة الاحتجاجية الحالية. وثالثها أن باريس، على خلاف ما يذيعه الحكم في دمشق، غير مقتنعة البتة بوجود أطراف إسلامية متطرفة بين الجماهير المتمرّدة على سلطة الأسد.
وسألت «الأخبار» الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو عن «التطورات الأخيرة في مجلس الأمن في ما يتعلق بالملف السوري»، فأكد أن فرنسا تعمل وفق أربعة اتجاهات ومستويات:
١ـــــ على المستوى الوطني، فإن باريس «تدين تصرّف السلطات السورية من دون أي تردّد»، وقد برز ذلك عبر استدعاء السفيرة السورية في باريس إلى وزارة الخارجية.
٢ـــــ مع ارتفاع عدد القتلى بنحو غير مقبول، فإن باريس «تأسف لعدم تمكّن السفراء في جلسة مجلس الأمن العلنية» من التوصل إلى صيغة لإعلان رئاسي تندّد بهذا العنف، وتأمل أن يتمكن المجلس من التوصل إلى صيغة توافقية قريباً.
3 ـــــ تعمل باريس على تفعيل عقوبات في إطار اجتماع اليوم (الجمعة) للجنة السياسية للأمن التابعة للاتحاد الأوروبي.
٤ـــــ فرنسا تنادي بإجراء قوي على مستوى مجلس حقوق الإنسان الذي يجتمع اليوم أيضاً (الجمعة) في جلسة استثنائية لدراسة الوضع في سوريا، وهو ما دعت إليه باريس وشركاؤها الأوروبيون للنظر في «مسألة حقوق الإنسان في سوريا»، في ظل تصاعد موجة القمع لمواجهة «كل أشكال المعارضة»، وان باريس تطالب بتوجيه رسالة قوية وصارمة إلى السلطات السورية، تندّد بعلميات الاغتصاب لحقوق الإنسان.
إلا أن عدداً من المراقبين يشير إلى أن «الإجابات الفرنسية» لا تزال ضمن إطار العموميات، وأنها لم تتجاوز حدود المقبول به دبلوماسياً، وتشدد على أنه حتى اليوم «باريس لم تنزع الشرعية عن بشار الأسد»، ويمكن قراءة تنديداتها واستنكارها عبر منظار دبلوماسي لا يقطع صلة الوصل بين العاصمتين. ويكفي حسب هؤلاء النظر إلى «التعابير التي ترد في البيانات»، فهي تعابير لا تقارب «نبذ النظام» وتترك الباب مفتوحاً أمام إعادة علاقات «وإن كانت جافة».
إلا أن هذا لا يعني أن باريس لا تدرس عن قرب، مع لندن وواشنطن، إجراءات أكثر صرامة إذا «لم يتمكن النظام من ضبط الأمور خلال أيام». وعلمت «الأخبار» من مصادر موثوقة أن المنكبّين على دراسة سلسلة الإجراءات التي يمكن اتخاذها يضعون في رأس سلم الأولويات «عدم إبراز التشابه بين ما سبق وأُقرّ بالنسبة إلى ليبيا، وما يمكن إقراره بالنسبة إلى سوريا»، وذلك لتجنّب وضع سيناريو يحاكي السيناريو الليبي. إلا أنه رغم هذا، تتفق هذه المصادر على أن «لأوروبا دوراً فعالاً» بغياب أي تأثير لأي عقوبات أميركية على النظام السوري. ومن هنا، فإن أي سلسلة عقوبات يجب أن تشمل «نقاطاً باتت روتينية»، مثل «منع سفر مسؤولين عن القمع وتجميد أرصدة البعض الآخر». وتشير هذه المصادر إلى «اسمين لا يمكن تجاوزهما في ما يتعلق بمنع السفر، وهما ماهر الأسد وعلي مملوك»، بينما «يقفز اسم رامي مخلوف إلى رأس لائحة تجميد الأرصدة»، مع اعتراف المصادر بأن «لا شبهات مؤكدة حول دور فاعل لهذ المجموعة في عمليات القمع».