طرحت عملية قتل أسامة بن لادن العديد من الأسئلة: هل يمكن النظر إلى دولة باكستان باعتبارها قنبلة قابلة للانفجار؟ وهل يمكن أن تنفجر من الداخل؟ لقد كان البلد، منذ نشأته سنة 1947، دائماً في وضعية انفجارية. الأمر الانفجاري يمثّل جزءاً من طبيعته. ستة عقود من وجوده تشهد على هذا الأمر: ثلاثة انقلابات عسكرية ومحاولتان ديموقراطيتان أُجهضتا واستولى الجيش على السياسة. أربع حروب مباشرة ضد الهند ومثلها جرى تجنّبها بأعجوبة.


خسارة باكستان الشرقية سنة 1971، إضافة إلى إسلام حاضر بقوة يدعمه الجيش أحياناً ويحاربه أحياناً أخرى، ولكن الأمر اتخذ بعد 11 سبتمبر مظهراً آخر، وهو مظهر الجهاد الدولي ضد «الحرب الصليبية الأميركية المعادية للإسلام».
العد العكسي الذي أطلق شرارته التدخل السوفياتي في أفغانستان سنة 1979 ازداد جذرياً مع تفجيرات 11 أيلول 2001، لأن باكستان والولايات المتحدة الأميركية وجدتا نفسيهما متحدتين في محاربة من خلقاهما معاً ودعماهما من قبل، المجاهدين وطالبان. ويرى خبراء غربيّون أنه ما دامت دولة باكستان تمتلك جيشاً قوياً، وما دامت الولايات المتحدة في أفغانستان، فإن دولة باكستان لن تنفجر ولن تسقط السلطة في أيدي الإسلاميين. الأمر يبدو فيه تناقُضٌ، إذْ إن العسكريين الباكستانيين والأميركيين الذين يسهمون في إذكاء النار هم من يستخدمونها درعاً. الوضعية وصلت إلى مستوى عال من العنف في الأعوام الأخيرة، وبعد هدوء نسبي في منطقة القبائل، ها هي التفجيرات تعود من جديد على خلفية الثأر لبن لادن.
باستقالة الرئيس السابق برويز مشرّف سنة 2008 والصمود الافتراضي لأحزاب ديموقراطية، طرح سؤال: إلى أين تذهب باكستان؟ لكن لم يستطع أحد من المعنيين الإجابة. وكان ردّ المراقبين هو الآتي: «من المستحيل التنبّؤ بالأشياء»، بينما يضيف المواطنون الباكستانيون: «كل شيء ممكن. لقد رأينا هنا كل شيء». إنهم معتادون رؤية هذا البلد يعيش في هذه الظروف القاسية، فالأمر لا يمنعهم من أن يعيشوا حياتهم اليومية. واستمرت الحال على ما هي عليه، الجيش لم يعد إلى السلطة، واستمرت الإسلاموية بالانتشار والامتداد، وواصل الجيش اللجوء إلى طرق عنيفة لفرض النظام، كما حصل في حرب وزيرستان الدامية في الصيف الماضي، وسلسلة التصفيات لقيادات طالبان الباكستانية التي بدأت بقتل بيت الله محسود سنة 2009.
يرى خبراء غربيون أنه يمكن دولة باكستان أن تصل اليوم إلى وضعية أكثر انفجاراً من التي كانت عليها في السنوات الأخيرة، لأنّ «الغنغرينة الإسلاموية» وعوامل عدم الاستقرار موجودة.
وفي رأي الكثير من هؤلاء، الأمر لا يصل إلى درجة الخوف، والسبب هو أن البلد عرف من قبل مراحل عصيبة في ما يخصّ استقراره وواجهها دائماً. ولكن يسود الاعتقاد أن باكستان ستظلّ خلال فترة طويلة على حافة الانفجار الداخلي. إنها في نهاية الأمر ليست إلا استمراراً لتاريخ البلد الفوضوي.
يتطلّب تفكيك هذه المعادلة حلّ اللغز الباكستاني، ومن خلاله الإطلالة على المأزق الأفغاني، وفهم الرهانات السياسية، وكل ما يجعل هذه المنطقة من أكثر المناطق اشتعالاً في العالم. وأول ما يجب تفكيكه في باكستان هو القنبلة الإسلاموية. ويستدعي ذلك العودة قليلاً إلى الوراء، حيث صعود الإسلاموية منذ 11 سبتمبر، وإعادة شبكات القاعدة التي فرّت من أفغانستان بعد انهيار نظام طالبان سنة 2001 تنظيم نفسها، وتزايد عدد المقاتلين والمجموعات الجهادية المحلية التي تحارب الحضور الأميركي والجيش الباكستاني المنتشر منذ سنة 2003 في المناطق القبلية على طول الحدود الأفغانية. إن «السنة السوداء»، أي 2007، هي الأكثر دموية من حيث الرقم القياسي في عدد التفجيرات الانتحارية التي سبّب أحدها قتل رئيسة الوزراء السابقة بي نظير بوتو. كل هذه الأشياء ظلت تطرح سؤالاً شرعياً عن قدرة باكستان على مواجهة الإسلاموية والإرهاب اللذين يمثّلان تهديداً لاستقرار البلد والمنطقة. ومن مصادر هذه الإسلاموية، «الأيديولوجية الراديكالية» لدى بعض المدارس القرآنية التي أصبحت «مصانع لطالبان (الطلبة)».
وهنا توجّه الولايات المتحدة الأميركية ونظام باكستان، منذ سنة 2001، أصابع الاتهام إلى الزعماء الدينيين الذين يديرون هذه المصانع، والذين يرفضون كل إصلاح ديني. ولا يخفى على الكثيرين أن الإسلاميين يتلقون الكثير من الدعم من شريحة من الجيش الباكستاني ومن الاستخبارات الباكستانية، وهو ما مثّل على الدوام مصدراً آخَرَ رئيساً لتصاعُد الإسلاموية.
هذه الروابط الخفية والقديمة تتعلق بقيام العديد من جنرالات الاستخبارات الباكستانيين بتقديم الدعم للإسلامويين، وفي الوقت ذاته ليس ثمة مجال لإنكار تأثير تفجيرات 11 أيلول 2001 على صعود الإسلام السياسي، حيث ازدهر واتخذ وجهاً متعدد الأشكال، وتغلغل في مجموعات سياسية دينية، وترتّب عليه تجذير الإسلام لدى بعض الشرائح في المجتمع، التي «تطلبنت» (من طالبان)، حسب بعض النعوت الأكثر استعمالاً. ورغم أن طالبان طُردت من السلطة على أيدي القوات الأميركية يوم 7 تشرين الثاني 2001، وبعد الضربات الجوية التي استهدفت يوم 16 كانون الأول من السنة نفسها كهوف تورا بورا التي كان يختبئ فيها أسامة بن لادن، فإن شبكاتها وشبكات تنظيم القاعدة أعادت بناء نفسها في ملاذاتها الأصلية، وهي المناطق القبلية الباكستانية التي احتفظت على الدوام بوضعية خاصّة. وهي تتألف من سبع إدارات: باجور، خيبر، كورام، مهمند، شمال وزيريستان، أوراكزاي، وجنوب وزيريستان، وتمتلك جيشها الخاص بها وشرطتها الخاصة. ويتعلق الأمر بمناطق تسكنها غالبية بشتونية يرتكز قانونها الاجتماعي على كرم الضيافة والأخذ بالثأر ومنح حق اللجوء، وهؤلاء البشتون فخورون جداً بثقافتهم، ولا يتوقفون عن التصريح بأنهم «ليسوا إسلامويين». وكانوا يرون أن الرئيس السابق مشرّف والولايات المتحدة الأميركية لم يعيرا انتباهاً لفهم ثقافة البشتون واحترامها. «وهو خطأ نتائجه باهظة».
شارك البشتون تلقائياً مع المجاهدين في حرب أفغانستان، ضد الاحتلال السوفياتي ما بين 1979 و1989. كذلك فإن الغالبية الساحقة من المحاربين العرب والدوليين الذين يتبعون تنظيم أسامة بن لادن، الذين هربوا من أفغانستان في كانون الأول 2001، بقوا في المناطق القبلية، حيث توعّد زعماؤهم بتشديد الجهاد ضد ما سمّوه «بوشرّف» (بوش ومشرف).
وتحتل مدينة كراتشي دوراً رئيساً في نموّ وتوالد المجاهدين وباقي الحركات الإسلامية. وهذا الدور كان بسبب تواطؤ قسم من الجيش الباكستاني والاستخبارات الباكستانية التي كانت تربطها منذ سنة 1979 علاقات وثيقة مع الأوساط الإسلامية ومع المحاربين ومع رجال الدين. ويتجلى هذا الأمر في كون العسكريين قد قدّموا دعماً قوياً للفصائل الإسلامية البشتونية ثم إلى الطالبان الذين زعزعوا النظام الأفغاني الذي كان معادياً لباكستان. ولم يلتفّ هؤلاء العسكر بُعيْد 11 أيلول 2001 خلف مشرّف، وظلّوا متحالفين مع الإسلاميين الذين ساعدوهم بطرق رسمية قبل عشرين سنة. وكان من نتائح هذا التحالف الوثيق بين الجانبين، أن الحركات الإرهابية التي أُبعدت وأُقصيت عشية تفجيرات 11 أيلول (يتعلق الأمر بعشرة أحزاب سياسية دينية، ومن بينها جيش محمد، وغيرها، وضعتها الولايات المتحدة الأميركية على قائمة التنظيمات الإرهابية)، انبثقت من جديد من خلال أسماء جديدة وتحت أشكال خلايا صغيرة من الصعب الإمساك بها.
وكي يُظهر الرئيس السابق مشرّف نفسه كمساهم في محاربة هذه التنظيمات المقرّبة من «القاعدة»، والتي تُنعت بـ«الإرهابية»، خلق خلية لمحاربة الإرهاب في قلب وكالة الاستخبارات الباكستانية، كذلك أنشأ قسماً لإدارة الأزمات الوطنية في قلب وزارة الداخلية، ويتعلق الأمرُ، هنا، بِبِنْيَتَيْن تتعاونان تعاوناً وثيقاً مع وكالة الاستخبارات الأميركية ومع الشرطة الفدرالية الأميركية. وإذا كانت تفجيرات 11 أيلول 2001 قد أحدثت زلزالاً عالمياً، ابتدأ في الولايات المتحدة نفسها، فإن باكستان أيضاً اكتوت بنارها. ويتجلى الأمر في الإجراءات التي اتخذتها حكومة باكستان، ومنها حملة صارمة من أجل وضع يدها على الشبكات الإسلامية، ومنعت خمسة أحزاب من النشاط السياسي، وأعلنت وضع يدها على المدارس القرآنية وعلى المساجد. وأوقفت في غضون أيام فقط، بعد تفجيرات نيويورك، أكثر من 1900 من الإسلاميين.

غيّر مشرّّّف الدستور الباكستاني لتوسيع صلاحياته. ولكن النتائج كانت باهتة. فالجيش لم يجرؤ على التدخل في المناطق القبلية إلا جزئياً، واقتصرت حرب مشرّف على الإرهاب في اختراق المحاربين على طول الحدود الأفغانية الباكستانية، وأصبحت باكستان أرضاً للجهاد الدولي، واستقبلت أعداداً من المُجنَّدين الجُدد القادمين من كل البلدان الإسلامية، وهم يحملون في دواخلهم عداءً للولايات المتحدة الأميركية. هذا المدد الكثيف من المقاتلين، المستعدين لمقارعة الأميركيين وحلفائهم، جعل حركة طالبان تستعيد قوتها ابتداءً من آب 2003. وبفضل الدعم الذي تلقته من جهات باكستانية، بدأت تستخدم أسلحة بالغة التعقيد، بل وشبكة اتصالات ساتالايت. وطرح المراقبون الكثير من الأسئلة، بينها كيف أمكن معسكرات تدريب القاعدة أن تواصل نشاطاتها من دون علم الجيش الباكستاني والجواسيس الأميركيين؟ ورغم الانتشار الكثيف للجيش الباكستاني، لم يُعتقل النشطاء الإسلاميون، بل إنه في أوج تصاعد الهجمات ضد القوات الحليفة في أفغانستان التي يُخطّط لها في وزيرستان، وُقّع اتفاق سلام في سنة 2006 بين زعماء القبائل والحكومة. مضمون الاتفاق هو أن يوقف الجيش عملياته العسكرية، مقابل تعهّد السكان بوقف تعاونهم مع طالبان. ولكن الأمر لا يخدع أحداً، وهنا يمكن الاستشهاد بما قاله الباحث إقبال خان، أحد المتخصصين في الحركات الإسلامية في المناطق القبلية من باكستان من أن «نجاح الاتفاق يرتكز على الإرادة الطيبة عند رجال القبائل في مساعدة الحكومة. ولكن البشتون، وهم محاربون منذ عدة أجيال، هل سيكونون ميالين إلى عدم مساعدة المحاربين، وهم حلفاؤهم وإخوانهم في الدم؟». وفي نهاية المطاف، فإن ما نُظر إليه باعتباره «حظّاً تاريخياً» سيكشف عن لافعاليته.
هناك أسباب عديدة لهذا الفشل، ومن بينها استمرار الاختراقات في المناطق القبلية، وأيضاً لأن زعماء القبائل استفادوا من فترات هدنة، هذه الهدنة التي توقفت مع الهجوم الدموي الذي قام به الرئيس برويز مشرّف على المسجد الأحمر في حزيران 2007، وهو ما سمح لطالبان بأن تعيد تنظيم قواتها وبناءها وتعيد تسليح نفسها، وأيضاً، وهنا جوهر الأمر، لأنّ العديد من البشتون الذين قبلوا التعاون مع الجيش وسلّموا «الإرهابيين» إلى السلطات المركزية وإلى العملاء الأميركيين جرت تصفيتهم على أيدي طالبان. ورغم أنهم كانوا يحصلون على 150 ألف روبية شهرياً (أي ما يعادل 2000 دولار) فضّل العديد عدم التضحية بحياته.
يرى خبراء اليوم أن تدخلات الجيش الباكستاني في منطقة وزيرستان، في السنوات الثلاث الأخيرة، سبّبت عكس النتائج المرجوّة. فقد أسهمت في انتشار الجماعات الإسلامية، وبدأت خلايا جديدة تظهر في هذه المنطقة، ما ضاعف من مشاكل الجيش الباكستاني. كذلك فإنه كلما اشتد القمع في وزيرستان ظهرت في أنحاء أخرى من البلاد جماعات إرهابية، تتكوّن من أربعة أفراد إلى خمسة، ما يجعلها أكثر فعالية. وتحظى منطقة وزيرستان بأهمية كبيرة بسبب قربها من بلوشستان التي تتمتع بحدود مع أفغانستان ومع إيران. عاصمتها، كيتا، لا تبعد عن قندهار أكثر من عشر ساعات، وهذا ما يفسّر أن عمليات الثأر الأولى لبن لادن حصلت هناك، ومن ثم بدأت تنتقل إلى منطقة القبائل الباكستانية، الأمر الذي ينذر بإشعال المنطقة من جديد.




كياني لا يتجاوب مع الأميركيّين

نقلت صحيفة «نيويورك تايمز»، أمس، عن مسؤولين أميركيين التقوا قائد الجيش الباكستاني أشفق كياني أن من غير المرجح أن يستجيب للمطالب الأميركية بالقضاء على زعماء مسلّحين. وقال مسؤول أميركي إن «الولايات المتحدة ستضغط بقوة أكثر على كياني لقطع العلاقات مع زعماء مسلحين آخرين، يعتقد الأميركيون أنهم يختبئون في باكستان بدعم من الجيش والاستخبارات». ومن بين هؤلاء زعيم حركة «طالبان» الأفغانية الملا محمد عمر، وزعيما شبكة حقاني سراج الدين حقاني وعسكر طيبة. وذكرت الصحيفة أن كثيراً من ذوي الرتب الأقل يتعاطفون مع المجموعات المسلحة أكثر من تعاطفهم مع أميركا. وقال رياض خوخار، السفير الباكستاني السابق في واشنطن، إن كياني لا يمكنه تجاهل مشاعر جنوده «هناك شعور في الجيش بأن الولايات المتحدة حليف غير موثوق به». وفي السياق، ألغى الجنرال خالد شاميم وين، المسؤول الثاني في الجيش الباكستاني، زيارة مقررة للولايات المتحدة في ظل التوتر الشديد السائد بين البلدين.
(أ ف ب)