لا حدود لأحلام قادة حزب «العدالة والتنمية» وملهمهم رجب طيب أردوغان. ولأنّ الأحلام الكبيرة تنتظر حملات الانتخابات لتخرج من الظلمة، شهدت الأيام والأسابيع الماضية طرحاً للمشاريع التي اعترف أردوغان نفسه بأنها مجنونة، تحت شعار تنموي مركزي: ستصبح تركيا عاصمة العالم كله، اسطنبول لن تبقى كما نعرفها، إذ ستصبح 3 مدن بدلاً من المدينة الحالية. ستنضم لأنقرة مدينة عملاقة جديدة لتصبح هذه العاصمة الجبلية قلب العالم، وعاصمة الصناعات العسكرية.


حتى مدينة قونيا، مسقط رأس وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو، ستصبح عاصمة الدبلوماسية العالمية. أما دياربكر، عاصمة الأكراد في العالم، فلا ينقصها شيء لتعرف مشروعاً تنموياً مجنوناً بدوره. ولكي تكتمل الطبخة، ستعرف البلاد مشروعاً عملاقاً غير مشهود منذ شق قناة بناما ربما، وهو عبارة عن ممر مائي جديد يفتح بحر مرمرة على البحر الأسود لينافس مضيق البوسفور.
يدرك أردوغان ورفاقه أنّ «تركيا الجديدة» التي يحلمون بها، تلك القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية العظيمة، لا على الصعيد الاقليمي فحسب، بل أيضاً على المستوى العالمي، يتهدّدها خطران رئيسيان اثنان؛ القضية الكردية، والزلزال الذي ينذر بالقضاء على مدينة إسطنبول في أي لحظة ومن دون سابق إنذار؛ على الجبهة الكردية، يتوقَّع أن تنطلق عجلة العمل بها بعد انتخابات 12 حزيران. أما في ما يتعلق بالزلزال النائم تحت مياه إسطنبول ويابستها، فقد وجد حكام أنقرة مشروع ترياق له: بناء مدينتين جديدتين مضادتين للزلازل، إحداهما في الشق الآسيوي الأناضولي من إسطنبول، والثانية في الجزء الأوروبي منها. مدينتان جديدتان كبيرتان من شأنهما ضرب عصفورين بحجر واحد: التقليل من ضرر كارثة الزلزال المحتمل أن يضرب إحدى أكبر مدن العالم، والتخفيف من الاكتظاظ السكاني لعاصمة السلاطين التي يعيش فيها نحو 14 مليون شخص، من دون احتساب السياح الموجودين فيها على مدار الفصول. مدينتان كشف أردوغان أنّه سيبدأ العمل بهما في العام المقبل، وأنهما ستستقبلان جزءاً من سكان الأحياء المهدّدة بالزلزال من المدينة الحالية، وسيربط بينهما جسر ثالث يصل الشق الأوروبي بالجزء الأناضولي من إسطنبول. وبحسب أردوغان، فإنّ القناة الجديدة لإسطنبول ستمر بمحاذاة المدينة الجديدة التي تقع في الشق الأوروبي. ولأنّ أردوغان صنع مجده السياسي في رئاسة بلدية إسطنبول تحديداً، ولأنه يعرف أن هذه المدينة هي «قلب العالم» و«تلخّص كل تركيا» على حد تعبيره، فإنّه يحمل هذه المشاريع منذ كان رئيساً لبلديتها، واصفاً مشروع شق القناة الجديدة بأنه «مشروع القرن»، مطمئناً إلى أن لا مشكلة في تمويله حيث أشارت تقارير إلى أن كلفته قد تتجاوز الـ200 مليار دولار. وفي التفاصيل القليلة المتوفرة في الإعلام التركي عن المشروع، فإنّ القناة ستمتد بطول 45 كيلومتراً لتربط بين بحري مرمرة والأسود، بعمق 25 متراً، وعرض 150 متراً، «بشكل يسمح لأكبر سفينة في العالم بأن تمر عبرها». وللمشروع ـــــ الحلم فوائد لا تحصى على جميع الصعد، إذ سيخلق مرافئ جديدة ومطاراً كبيراً وحياة اقتصادية عامرة على ضفاف القناة، مع تشديد أردوغان على أن القناة ستراعي المعايير البيئية والحفاظ على الثروات البحرية. وبحسب المعلومات القليلة أيضاً، ستعبر القناة، التي قد ينتهي العمل بها في غضون 2023، مدينتي سيلفري وشتالكا الاسطنبوليتين لتخلق جزيرة جديدة وشبه جزيرة أخرى، ولتخفّف الضغط عن قناة البوسفور ولتقلل مخاطر الفيضانات والكوارث الطبيعية.

أنقرة الثكنة

لدى أردوغان مشروع مجنون آخر، يبعد نحو 500 كيلومتر عن إسطنبول، في العاصمة أنقرة تحديداً، حيث يريد بناء مدينة جديدة جنوبي العاصمة لضمها إليها، وهي التي بُنيت في القدم ليسكن فيها 40 ألف شخص، وإذا بها اليوم تحتضن 5 ملايين. ووفق المشروع، الذي سيبدأ العمل به بالتزامن مع بناء المدينتين الجديدتين في إسطنبول، ستصبح أنقرة عاصمة الصناعات العسكرية التركية، إذ ستُبنى المصانع العسكرية فيها لتصبح 80 في المئة من الأسلحة التركية مصدرها أنقرة تحديداً، علماً أن الصناعات العسكرية التركية هي الآن من بين الأكبر في العالم، بعدما تضاعف الإنتاج الصناعي العسكري بين 2004 و2010 بنسبة 100 في المئة. إضافة إلى ذلك، ينوي أردوغان تحويل أنقرة إلى مستشفى العالم مع مشاريع بناء مجمعات استشفائية عملاقة.
أما بالنسبة إلى دياربكر، فقد اكتفى أردوغان بالتأكيد أن لديه أيضاً «مشروعاً مجنوناً» لها مشابهاً لما يخطط له بالنسبة إلى إسطنبول وأنقرة.
الجنون الأردوغاني أثار أحزاب المعارضة قاطبة، وخصوصاً شيخ المعارضة، أي «حزب الشعب الجمهوري»، الذي استنفر قواه ليسلط الأضواء على الأخطار البيئية والطبيعية التي تتسبب فيها قناة إسطنبول والمدينتان الجديدتان المنوي بناؤهما في عاصمة السلاطين، وليرد على رئيس الحكومة بالقول إن تركيا تحتاج إلى شخص عقلاني لا إلى مجنون. وجهدت وسائل الإعلام المحسوبة على المعارضة التركية (تلك التي تمتلكها بمعظمها مجموعة دوغان) للتركيز على مصائب المشاريع من ناحية تهديد الثروات البحرية، والمخاطر البيئية والكلفة الاقتصادية، رغم كل تطمينات أردوغان ومهندسيه وفريق عمله.

(غداً: مصير الحزب الحاكم
بيد القوميّين المتطرّفين )




داوود أوغلو للنيابة وقونيا للريادة

يستعدّ وزير الخارجية التركي، المهندس الحصري للدبلوماسية التركية منذ عام 2002، البروفيسور الجامعي أحمد داوود أوغلو، لاكتساب صفة جديدة هي النائب عن مدينته قونيا الواقعة في قلب الأناضول، علماً أن الرجل هو الوزير الحالي الوحيد غير النائب في الحكومة الحالية. وللمرة الأولى منذ دخوله معترك العمل السياسي، يترشح داوود أوغلو للانتخابات على لوائح حزب «العدالة والتنمية»، رغم أنه ليس منتسباً إلى الحزب. واختار الدبلوماسي الأبرز في العالم حالياً، والذي يرجح أن يستمر في منصبه الوزاري بعد انتخابات 12 حزيران، شعاراً طموحاً لحملته الانتخابية، هو تحويل مدينة قونيا (التي ستتمثل بـ 14 نائباً) إلى مركز السياسات الدولية، من خلال تبنّيه مشروع فتح قنصليّات أجنبية في هذه المدينة، وقراره السكن لعدة أيام في الشهر في مسقط رأسه (بالإضافة إلى مسكنيه في إسطنبول وأنقرة)، وكشفه أنه سيسعى لجعل قونيا تستضيف قمماً دولية وإقليمية، لتصبح تلك المدينة رابع أهم مدينة سياسية في البلاد بعد أنقرة وإسطنبول وإزمير. ومنذ انتقل داوود أوغلو إلى قونيا لقيادة حملته الانتخابية، تحولت المدينة بالفعل إلى مركز دبلوماسي، بما أن الوزير شاء أن ينتقل معه «جيش» مستشاريه ومساعديه ليواكب كل التطورات المتعلقة بالسياسات الخارجية والأزمات الإقليمية والدولية.