بحسب اللوائح الرسمية الموجودة لدى الهيئة الانتخابية التركية العليا، يخوض 15 حزباً انتخابات 12 حزيران المقبل، لكن فعلياً، سيدخل إلى البرلمان حزبان أو ثلاثة أحزاب على أبعد تقدير، ذلك أن الديموقراطية التركية المصابة بمرض عتبة العشرة في المئة، كشرط لدخول أي حزب إلى الندوة البرلمانية، تحصر «اللعبة» بعدد قليل من الأحزاب، وتجعلها أشبه بأنظمة الثنائية أو الثلاثية الحزبية، مثلما هو حاصل في بريطانيا البرلمانية مثلاً، أو الولايات المتحدة الرئاسية.


عملياً، تتنافس 3 أحزاب: العدالة والتنمية الحاكم، وكبير المعارضين «الشعب الجمهوري»، أعرق الأحزاب وأكثرها التصاقاً بتاريخ الجمهورية، لكون مؤسسه ليس سوى مصطفى كمال أتاتورك، وهو بقي الحزب التركي الوحيد منذ 1923حتى مطلع خمسينات القرن الماضي، تاريخ دخول تركيا في عصر التعددية الحزبية. أما ثالث الأحزاب المعارضة، فهو «الحركة القومية التركية»، القومي اليميني المتطرف، الذي يجسّد الشوفينية التركية، والذي يُعرف أعضاؤه بشواربهم اللافتة للنظر. اليوم، وبما أنّ الفوز الكبير لـ «العدالة والتنمية» أصبح محسوماً، فإنّ المعركة الحقيقية باتت محصورة في بعض العناوين: هل سيدخل إلى البرلمان حزبان فقط (العدالة والتنمية والشعب الجمهوري) أم ثلاثة أحزاب (مع الحركة القومية)؟ المعضلة الأبرز تكمن في أزمة «الحركة القومية» بالتحديد، إذ إن هذا الحزب، الذي أسسه أربسلان توركيش عام 1965، يعيش أياماً سوداء لأسباب عديدة: 1ــ تردده السياسي حيال كل العناوين السياسية المطروحة، من الدستور الجديد والاستفتاء الذي جرى حول التعديلات الدستورية في 12 أيلول الماضي، إلى المسألة الكردية. 2ــ الانشقاقات الداخلية الكبيرة التي جاءت بنتيجة ترهُّل قيادته، إذ إنّ زعيمه الحالي، دولت بهشلي، يرأس الحزب منذ عام 1997، وسجلت قيادته نتائج سيئة، بدليل أنه عام 2002 لم يدخل الحزب إلى البرلمان ولم يتمثّل بأي نائب، بعدما حقّق نتيجة كبيرة عام 1999 وأوصل 129نائباً ثم 71 نائباً في 2007. أما اليوم، مع فضائح الأشرطة الجنسية التي تلاحق عدداً كبيراً من نوابه وقادته ومرشحيه، فيخشى الحزب من عدم تخطّي عتبة العشرة في المئة، علماً أن استطلاعات الرأي الحالية تعطيه ما بين 10 و13 في المئة من نوايا التصويت. 3ــ الأخطاء الانتخابية الكبيرة التي ارتكبها حزب «الحركة القومية»، كإقدامه على ترشيح عدد من المتهمين بالانتماء إلى عصابات «إرغينيكون» على لوائحه، رغم علمه بالميل العام للجمهور التركي، حتى القومي المتشدد منه، إلى تخطي مرحلة انقسامات الحرب الباردة وجرائمها وانقلاباتها، وذكريات الحروب الأهلية التي عاشتها البلاد مع الشيوعيين والأكراد.
وقد تحوّل الحزب اليميني القومي المتطرف إلى قبلة أنظار الحزب الحاكم، الذي يئس من إمكان «سرقة» أصوات إضافية من حزب الأكراد (السلام والديموقراطية)، ففهم أن نجاح مشاريعه الكبيرة تحسمه قدرته على القضاء على «الحركة القومية» ومنعها من دخول البرلمان، وهو ما من شأنه، إن حصل، أن يعطي حزب أردوغان عدداً كبيراً جداً من النواب يتخطى عتبة ثلثي مجموع النواب الـ 550. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، أبرزها أنّ مناطق نفوذ «الحركة القومية» مشتركة مع مناطق «العدالة والتنمية»، وخصوصاً في عمق الأناضول المحافظ، حيث يضعف وجود حزب النخبة العلمانية المتمثلة في «الشعب الجمهوري». وثاني أسباب تحول «الحركة القومية» إلى نقطة حاسمة في نتيجة الانتخابات، هو أنه يستحيل أن يصوّت ناخب كردي له، أو حتى ناخب من «الشعب الجمهوري» المعروف بعلمانيته و«أوروبيته» و«نخبويته» و«يساريته»، بينما يُعرَف ناخب «الحركة القومية» بيمينيته المتطرفة وقوميته المتشددة ومحافظته الاجتماعية التي تدنو من الفاشية. وهنا، يظهر الحزب الحاكم كأقرب الأحزاب من «الحركة القومية» من النواحي الاجتماعية المحافظة (جزء كبير من جمهور الحركة القومية ملتزم دينياً)، واليميني سياسياً واقتصادياً، والقومي تركيّاً. لهذه الأسباب، يسعى أردوغان ومعظم أركان حزبه إلى التشديد، في حملاتهم الانتخابية، على اجتذاب الصوت القومي المتشدد، لعلمهم بمحدودية تأثيرهم في القاعدة الناخبة التقليدية الكردية، وتلك المحسوبة على «الشعب الجمهوري»، الذي تُضمر له «الحركة القومية» حقداً كبيراً، بما أن الحزب اليميني المتطرف كان من ضحايا الانقلاب العسكري المحسوب على «الشعب الجمهوري» الذي حصل عام 1980.
من هنا، تمكّن حزب أردوغان من «سرقة» عدد من مرشحي «الحركة القومية»، كأحمد أربسلان توركيش مثلاً، مع مغازلة الناخب القومي التركي باستمرار، حتى من خلال شعارات حساسة جداً بالنسبة إلى «العدالة والتنمية»، مثلما يحصل عندما يذكّر بعض مرشحي الحزب الحاكم بالأمجاد العثمانية لتركيا، وبرفض توسيع حقوق العلويين في البلاد، وعندما قال أردوغان، قبل أيام، إنه «لا وجود لمسألة كردية»... كل ذلك لأن المعادلة باتت واضحة بالنسبة إلى «العدالة والتنمية»: إن وصلت «الحركة القومية التركية» إلى البرلمان، فإنّ حظوظ العدالة والتنمية باجتياز حاجز ثلثي عدد النوب ستتضاءل، بينما إن أقصي الحزب اليميني المتطرف، فسيتخطى عدد نواب حزب أردوغان الـ 370 نائباً، وبالتالي سيكون مطلق اليدين في تطبيق مشاريعه الحالمة في الاقتصاد والتنمية والسياسة الخارجية والدستور الجديد والقضية الكردية.

(غداً: حزب أتاتورك يخاف التغيير)




حروب استطلاعات الرأي

يعيش المرشّحون الأتراك على أعصابهم في هذه الفترة، إذ لا يكاد يمر يوم واحد إلا يظهر فيه استطلاع رأي جديد يكذّب ما جاء في استطلاع اليوم السابق، علماً أن الإحصاءات واستطلاعات الرأي شديدة الأهمية في تركيا، إذ ثمّة عدد كبير من المراكز المتخصِّصة حصراً للقيام بها. ولأنّ الصورة العامة باتت واضحة، والفارق كل الفارق ستحسمه أرقام صغيرة هنا وهناك، فإنّ إعطاء حزب «العدالة والتنمية» مثلاً نسبة 50 في المئة من نوايا التصويت، أمر يختلف جذرياً عن إعطائه 46 في المئة، بما أنّ هذا سيُصرَف بفارق كبير في عدد النواب. ويوم الأربعاء، صدر آخر استطلاع للرأي لمؤسسة pollsters konsensus، وأعطى «العدالة والتنمية» نسبة ممتازة وهي 48.6 في المئة من الأصوات (نال 47 في المئة عام 2007). أما الخبر السار، فكان استطلاع آخر نشرت نتائجه مؤسسة sonar ورجح فوز حزب أردوغان بـ 50.93 في المئة، في مقابل استطلاع آخر أُعلنت نتائجه يوم الثلاثاء، ولم يعطِ هذا الحزب إلا 39 في المئة. وبحسب استطلاع pollsters konsensus (الذي جرى بين 18 و22 أيار الماضي على عينة انتخابية من 3000 شخص، ولم يحدد نسبة هامش الخطأ)، فإنّ «الشعب الجمهوري» سينال 28.3 في المئة، في مقابل 11.6 في المئة لـ «الحركة القومية».