لقد حمل وصول حزب «العدالة والتنمية» التركي إلى الحكم عام 2002 أحلاماً كبيرة بحل المسألة الكردية، لتعود بعدها تلك الأحلام سريعاً إلى مضاجعها خائبة. اليوم، تقترب آمال السلام من التبخُّر، ويدنو غصن الزيتون الكردي من اليباس، من دون أن يمنع ذلك رجب طيب أردوغان من تكرار أنه يضع نصب عينيه حل المسألة، لكن على طريقته، وهو ما يترك الأمور بلا أي ضمانة سلمية، لأنّ العصيان المدني الكردي على الأبواب، كذلك «المقاومة الشعبيّة العامّة» ومشروع إقامة «الحكم الذاتي الكردي» لنحو 15 مليون كردي تركي.

ولأردوغان أكثر من خطاب تجاه القضية الكردية؛ فالرجل الذي كان أول من كسر حاجز الخوف وتلفّظ بكلمة كردي واعترف بوجود هذه القضية، بعدما ظلت لعقود مجرد أزمة أمنية وإرهابية، ينقلب يومياً على مواقفه منها، أكان في حملاته الانتخابية أم في سياسات حكوماته إزاءها. ويفسّر البعض المواقف الأردوغانية الأخيرة، التي تكاد تكون معادية للأكراد، بفعل يأسه من إمكان اجتذاب قاعدة كردية ناخبة غير تلك التي يملكها حزبه أصلاً في جنوب البلاد وجنوب شرقها، وفهمه بالتالي أن السباق على الناخب الكردي رهان خاسر، وأنه يجدر به بدلاً من ذلك البحث عن أصوات جديدة في أماكن أخرى، وتحديداً عند القوميين الأتراك المعادين لحل القضية الكردية أصلاً. وقد أثبتت استحقاقات انتخابية كثيرة فشل أردوغان في منافسة الحزب الشرعي الحالي للأكراد «السلام والديموقراطية» و«المجتمع الديموقراطي» قبله، وخصوصاً في استفتاء 12 أيلول الماضي وفي الانتخابات المحلية عام 2009، تماماً مثلما فشلت محاولات الحكومة أسلمة المجتمع الكردي لنزع المشروعية عن «العمال الكردستاني». صحيح أنّ أردوغان كان أحد أوائل من تحدثوا عن وجود قضية كردية، لكنه كان هو نفسه أيضاً من عاد لينفي وجود تلك القضية قبل أيام، على قاعدة أنّ هناك «مشاكل يعاني منها أفراد أكراد». الرجل الذي اعترف، للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية، بشيء اسمه حكومة إقليم كردستان العراق، هو نفسه من يرفض الإقرار بطابع سياسي للمسألة الكردية في تركيا، ويصرّ على حصرها في وجوهها الإنمائية والثقافية والقانونية. ورئيس الحكومة الذي أثار غيظ جيشه بسبب اعترافه بأن «الدولة التركية» تتفاوض مع زعيم حزب العمال الكردستاني «الإرهابي» عبد الله أوجلان، هو نفسه مَن أعرب عن سروره علناً بقرار القضاء، قبل نحو شهر، إلغاء ترشيح 12 من أبرز الشخصيات الكردية لانتخابات 12 حزيران، وهو ما نال انتقاد الجميع إلا أردوغان، والذي عادت المحكمة لتلغيه بعدما تبيّن أثره الكارثي، إذ اندلعت حرب أهلية مصغَّرة ليومين بسببه، راح ضحيتها بعض الأكراد ورجال الأمن.
يمكن أردوغان مواصلة امتنانه على العالم بأنه هو من خصّص للأكراد محطة تلفزيونية حكومية (6trt) تبثّ بالكردية، وأنه هو، لا سواه، كان رئيساً للحكومة التي أقرّت أكبر مشروع تنموي في تاريخ تركيا، أي ذلك المتعلق بصرف 12 مليار دولار لتحسين اقتصاد المناطق ذات الغالبية الكردية في البلاد. أكثر من ذلك، يمكنه تكرار أنه غامر بموافقته على استقبال «فرق سلام» مؤلفة من مقاتلين أعادهم أوجلان من الجبال والجبهات إلى تركيا لاختبار حسن النية عند حكومة أنقرة. كل ذلك صحيح، لكن الصحيح أيضاً هو أن أردوغان لم يمتلك القدرة أو الجرأة أو الرغبة أو كل تلك العناصر معاً، للضرب على أساس المشكلة، وهو الشق السياسي منها. وهنا، يرى خبراء في الشأن الكردي أن الفرص أتيحَت بكثرة له ولحكومته للقيام بالخطوة الجريئة، لكنه فوّتها، ما أدّى إلى خروج الأمور عن السيطرة قبل أشهر، عندما أعلن الأكراد، ممثّلين بـ«مؤتمر المجتمع الديموقراطي»، مشروعهم لـ«الحكم الذاتي الكردي» الذي سيدخل حيّز التنفيذ بالقوة، على حدّ تعبيرهم، في 15 حزيران الجاري.
ويرى أنصار القضية الكردية أنّ حزب «العمّال الكردستاني» أمهل أردوغان وقتاً طويلاً قبل أن يرى في النهاية أنّ «العدالة والتنمية» لا يختلف بشيء عن سائر الأحزاب التركية القومية في ما يتعلق بالقضية الكردية، وأنّ حزب أوجلان والأحزاب الكردية التي تدور في فلكه قدّمت تنازلات كبيرة، عندما أعربت عن استعدادها للتخلي عن حلم إقامة دولة كردستان المستقلة، وإمكان الاستعاضة عنها بمجرد فدرالية تركية ضمن دستور ديموقراطي جديد متعدّد القوميات ويساوي بين المواطنين. وفي مقابل ذلك، يقول الأكراد، فإنّ أردوغان وحكومته وجيشه ردّوا الوردة بحملات عسكرية في الشق العراقي من جبال قنديل، وواصلوا خطابهم «التتريكي» برفض اعتماد لغتين رسميّتين للبلاد (تركية وكردية)، والإصرار على الطابع المركزي للدولة، ورفض أصل الحوار في فكرة الفدرالية أو أي صيغة مشابهة لها، وعدم الإقدام حتى على خطوة توسيع الصلاحيات الإدارية للمحافظات والبلديات، وعدم حلّهم فرق «حرس القرى» (ميليشيات أسّسها الجيش التركي مؤلفة من أكراد موالين للدولة، ودورها القضاء على حزب العمال الكردستاني بكافة الطرق، حتى أكثرها بشاعة). كذلك يسجل هؤلاء على حقبة أردوغان استمرار الاعتقالات والمحاكمات بحق الأكراد، وعدم السعي إلى إلغاء قانون العشرة في المئة كشرط لدخول البرلمان (الأحزاب الكردية أكبر ضحايا هذا القانون)، والسكوت عن أو الضلوع في فضيحة الأوضاع المزرية التي يعيشها أوجلان في سجنه في جزيرة إمرلي. هو نفسه أردوغان الذي أطلق في صيف 2009 «المبادرة الكردية»، واضطر بعد وقت قصير إلى تغيير اسمها لتصبح «المبادرة الديموقراطية»، ليفرغها تماماً من محتواها.

(غداً: ثورة فتفاوض فعصيان فمقاومة شعبيّة)




لعبة موت وولادة الأحزاب

يمارس القضاء التركي «رياضة وطنية» بحق الأحزاب السياسية الكردية، باتت أشبه بلعبة مملّة تقوم على إصدار المحكمة الدستورية قرارات بحظر الأحزاب الشرعية لأكراد تركيا بتهم جاهزة مسبقاً، غالباً ما تكون الاتصال بحزب العمال الكردستاني الإرهابي والارتباط به. «رياضة» بات الأكراد يقابلونها بلعبة أخرى، هي إقدامهم على تأسيس حزب جديد فور حظر الحزب السابق، بالوجوه نفسها (ما لم يكونوا مشمولين بقرار منع مزاولة العمل السياسي) وأحياناً الأسماء نفسها تقريباً، وهو ما استمر في عهد حزب «العدالة والتنمية» الذي حُظر في زمانه حزب «المجتمع الديموقراطي» الكردي لينشأ على أنقاضه حزب «السلام والديموقراطية».
بدأت «اللعبة» عندما حُظر حزب «شعب المجتمع الديموقراطي» في عام 1990، فورثه «حزب الشعب العامل» (22 نائباً) الذي أُغلق في 1993 ليتأسس بعده «الحزب الديموقراطي»، ويحظر أيضاً ليخلفه «حزب ديموقراطية الشعب» الذي لاقى المصير نفسه، فتأسس «حزب الشعب الديموقراطي».
بدوره، أُقفل الحزب كأسلافه بقرارات قضائية عن المحكمة الدستورية، فتأسّس «حزب المجتمع الديموقراطي» الذي أغلق قبل عامين، فما كان من زعمائه إلا تأسيس حزب جديد لا يزال حياً، لكنه مهدد بالحظر، هو حزب «السلام والديموقراطية».