في أواسط آذار الماضي، تجمّع في شوارع العاصمة البرتغالية لشبونة، 300 ألف شاب وشابة للاعتراض على تردي حالتهم الاجتماعية، فيما تجمّع عشرات الآلاف في باقي مدن البرتغال، مثل بورتو وفارو. هؤلاء لا يعلمون بعدُ أن الحكومة الاشتراكية ستسقط بعد أقل من 10 أيام من الانتخابات العامة التي جرت أمس. لقد سمّوا أنفسهم «جيل لاهث» نسبة لأغنية رائجة في البرتغال، أو «حركة 15 آذار» نسبة لتاريخ التحرك.


في 15 أيار الماضي، قبل أسبوع من الانتخابات المناطقية، احتل الشباب الإسباني الساحات في مدريد وبرشلونة وكافة المدن الأخرى، إلا أن «حركة 15 أيار» أو «حركة الغاضبين» ما زالت في الشوارع.
في اليونان، ولمناسبة زيارة وفد من صندوق النقد في 22 أيار، تحولت التظاهرات اليومية اليونانية إلى مخيم في ساحة سينتاغما في أثينا، وشارك فيها نحو 40 ألف شاب. وهناك قواسم مشتركة بين التحركات الثلاثة وعدوى ما. الإسبان استلهموا من البرتغاليين، واليونانيون بدورهم من الإسبان. ثلاثة مجتمعات انكشفت هشاشتها الاقتصادية بعد طوفان الأزمة العالمية: انكماش الآلة الإنتاجية أو ارتفاع قياسي لظاهرة البطالة، وخصوصاً بين الشباب، أو انفلات الحسابات العامة والدين العام، أو الثلاثة معاً. حتى الآن، في البرتغال المرشحان للانتخابات يونان باباندريو وبرتغال سقراطس ـــــ الذي خسر على الأرجح السلطة أمس، أُجبرا على اللجوء إلى الدعم الخارجي. ربما بعد فترة يأتي دور إسبانيا خوسيه لويس ثاباتيرو، حيث يجري اللجوء إلى «ترويكا الإطفائيين» المتمثلة في المجموعة الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي. عندما يشح التمويل، أو تصبح كلفته باهظة في الأسواق العالمية، تؤمّن «الترويكا» القروض الإنقاذية مقابل إقرار خطط تقشفية قاسية جداً.
في حالة إسبانيا والبرتغال، كانت الحكومات الاشتراكية قد باشرت تطبيق هذه الخطط لتحاشي اللجوء إلى الدعم الخارجي، إلا أن حجب الثقة عن الحكومة البرتغالية، وتردّي الوضع الاقتصادي فرضا هذا اللجوء. وفي اليونان، استعانت الحكومة الاشتراكية بالخارج بعد فوزها في 2009، عندما اكتشفت أن الدين العام الحقيقي هو ضعف الدين العام المعلن.
صحيح أن النموذج التونسي والمصري ألهم البرتغاليين والإسبان: الشبكات الاجتماعية للأوائل والساحات للآخرين، إلا أن المحرك الأساسي لم يكن الاستبداد كما عند العرب، بل الواقع الاجتماعي، أي انسداد الأفق وتفشّي البطالة والفقر في مجتمعات من أوروبا الجنوبية.
لقد ظنت هذه الحكومات لوهلة أنها بنظام اليورو تخطت هذه العاهات، غير أن طابع التحرك «الاجتماعي» يذكّر بكوميونة باريس في القرن التاسع عشر. طابعه «الشبابي» يحيل على أحداث أيار 1968 الفرنسية، ومشهده إلى حركات محاربة العولمة.
يطالب هذا التحرك بـ «ديموقراطية حقيقية فوراً»، ما يعني أن «نظام الحزبوقراطية» الذي يطبّق نفس خطط التقشف، التي تعاقب نفس الفئات لا يستطيع أن يلخّص الديموقراطية.
والمبادرون كل مرة هم شباب من الطبقات الوسطى، حاملو شهادات ولا يجدون في سوق العمل فرصاً بمستوى اختصاصهم. ينتمون «مجتمعياً» إلى أجواء اليسار وأحياناً أحزابه. لقد نجحوا في استقطاب جمهور من المتضررين بغض النظر عن أعمارهم وآرائهم السياسية، مثل العاطلين من العمل أو المتقاعدين، إضافةً إلى كل تلوينات التحركات الشبابية.
يبقى مستقبل هذه التحركات نقطة استفهام. قد تهدأ الحركة أو تتوسع. ففي اليونان، النقابات تبقى العصب الأقوى ضد التقشف، أما الحراك الإسباني، فقد أبدى قوة تنظيمية لافتة على مستوى الأحياء والبلدات أيضاً، فيما بدا البرتغاليون متقدمين في صياغة مطالب في المجالين الاقتصادي وأيضاً السياسي لتطوير الديموقراطية، إلا أن شيئاً جديداً يبدو أنه وُجد ليبقى ولينفض عفن ما في الديموقراطية الليبرالية.