المشهد ذاته يتكرر. ليس على الصحافي إلّا أن يغيّر أسماء الأمكنة والشخصيات ويكرّر صياغة التفاصيل عينها. من أفريقيا مروراً بآسيا وصولاً إلى أوروبا. بعد إسبانيا، ها قد بدأت المعارضة الجورجية تحرّكها: الشعب يريد إسقاط (الرئيس ميخائيل) ساكاشفيلي. ليس ما يمنع الشعب الجورجي من أن يريد. وليس ما يمنع الرئيس أيضاً من استخدام العنف لتفريق المتظاهرين، ثم إلقاء اللوم على «القوى الخارجية» واتهامها بزعزعة استقرار البلاد، مسقطاً أيّ احتمال لأن يكون لشعبه مطالب، علماً أنها ليست المرة الأولى التي يتظاهر فيها الجورجيون ضد ساكاشفيلي.

قال ساكاشفيلي إن «الأحداث تهدف إلى تحقيق سيناريو كُتب خارج جورجيا». عاد بالأذهان إلى عام 2008، الذي شهد حرباً جورجية ـــــ روسية استمرت خمسة أيام، وأدّت إلى اعتراف روسي باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا. أراد أن يقول إن الحرب لا تزال مستمرة، وموسكو لم تكفّ عن إثارة المشاكل.
انطلقت الاحتجاجات في تبيلسي وباتومي يوم 21 أيار الماضي، بقيادة حركة «التجمع الشعبي» المعارضة، للمطالبة باستقالة الرئيس الجورجي. وفي اليوم التالي، أعلنت الرئيسة السابقة للبرلمان الجورجي، القيادية في «التجمع الشعبي» نينو بورغانادزه، أن «الثورة في جورجيا قد بدأت». حصل المتظاهرون على إذن بالتظاهر حتى منتصف ليل الأربعاء الماضي، إلا أنهم قرروا البقاء أكثر من ذلك. وبعد تحذيرهم ومطالبتهم بالرحيل، كانت النتيجة أن تدخلت قوات الشرطة لتفريق الحشود، فقتل شخصان، أحدهما متظاهر والآخر من قوات الشرطة. وبعد يومين، تظاهر نحو 3000 جورجي احتجاجاً على قرار استخدام القوة.
وزارة الداخلية الجورجية بررت استخدامها العنف، وقالت في بيان لها إن شرطة مكافحة الشغب التي تدخلت استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي لتفريق المتظاهرين، الذين كانوا يحملون العصي ودروعاً مصنوعة يدوياً. تحوّل المتظاهرون إلى «مندسين» مهمتهم زعزعة استقرار النظام. ولجأت وزارة الداخلية الجورجية إلى عرض أسلحة متنوعة قالت إنها وجدتها مع المخربين، بل أكثر من ذلك، أعلنت أن «المعارضة درّبت أكثر من 3500 مقاتل لزعزعة نظام الرئيس». وبثت الوزارة على محطة التلفزيون «روستافي 2» شريط فيديو يتضمن حواراً بين قادة في حزب المعارضة، الذي تتزعمه بوردغانادزه، وبين زوجها بدري بيتسادزه، والجنرال المتقاعد غيا اوتشافا ومسؤول آخر يدعى ايراكلي باتياشفيلي. في الشريط، ناقش المعارضون «تدريب وحدات تضم جنوداً مؤهلين لمهاجمة الشرطة خلال تظاهرات المعارضة. ويبدو أنه جُنّد 3782 رجلاً».
بالنسبة إلى جورجيا، رأس المؤامرة هو روسيا، التي لجأ ساكاشفيلي إلى اتهامها استناداً إلى تسلسل الأحداث. فموسكو اتهمت تبليسي بانتهاك حق المواطنين في التجمّع والتعبير من خلال استخدام القوة ضد المتظاهرين. وقال مبعوث وزارة الخارجية الروسية قسطنطين دوغلوف، إن «مثل هذه التصرفات من جانب نظام ساكاشفيلي هي محاولة لعرقلة ممارسة الناس والقوى السياسية في البلاد لحقوقهم القانونية بحرية التجمّع والتعبير عن آرائهم، كما تنص على نحو خاص الشرعة الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية». وأضاف «إذا واصلت السلطات الجورجية استخدام العنف، فإن ذلك سيقود إلى المزيد من التصعيد للتوتّر في العلاقات بين السلطة والمعارضة إلى مستوى قد يؤدي إلى زعزعة استقرار البلاد».
جورجيا سارعت إلى الرد. وقالت وزارة خارجيتها إنّ روسيا ليس لديها الحق في الكلام عن انتهاك للحقوق والحريات في جورجيا، لافتةً إلى أن المجتمع الجورجي «ينتهج الأفكار الغربية».
بغضّ النظر عن وجود دور لروسيا أو لا في التظاهرات، فلا شك أن المعارضة تسعى إلى استغلال سوء العلاقة بين موسكو وساكاشفيلي. وقالت بورغانادزه إن «العلاقات مع روسيا هي مفتاح لاستقرار جورجيا وتماسكها»، مضيفة إنّ «على أيّ قيادة جورجية تدعم البلاد وتريدها مستقرة ومتّحدة، إجراء محادثات مع الجانب الروسي والحكومة الروسية. نريد محاولة تطبيع العلاقات مع روسيا رغم أنها لن تكون سهلة».
المعارضة الجورجية تريد دعماً روسياً. في المقابل، توجّه الأخيرة عينيها إلى الولايات المتحدة، التي كان موقفها داعماً للنظام. فالسفير جون باس قال إن التقارير أشارت إلى أن «المتظاهرين ركّزوا اهتمامهم على خوض مواجهة عنيفة مع الشرطة». هي حكاية الكيل بمكيالين إذاً. حكاية قديمة ـــــ جديدة تفرّق بين الدول وأنظمتها وشعوبها استناداً إلى المصلحة. روسيا توقعت أن تؤدي سياسة القمع إلى تنديد دولي، وخصوصاًَ من الدول الداعمة لها، لكن ذلك لم يحدث حتى اليوم، وقد تستغله في المستقبل لتشويه صورة أميركا الديموقراطية.
قد تكون تظاهرات تبيليسي مجرد تتمة لسنوات مضت، لكن الأكيد أن الربيع العربي أضفى عليها ربيعه. بورغانادزه قالت: «سأقطع أصابعي إذا كانت هذه الحكومة باقية في السلطة، وتذكّروا كلامي». فتذكّروا.




أعلنت زعيمة زعيمة «التجمع الشعبي» المعارض، الرئيسة السابقة للبرلمان، نينو بورغانادزه، أنها لن تدفع كفالة مالية لإطلاق سراح زوجها بدري بيتسادزه، المتهم بتنظيم هجمات مسلحة ضد الشرطة، لأنها لا تريد أن يكون استثناءً عن المعتقلين المعارضين الآخرين. وقالت بورغانادزه: «لماذا الدولة رحيمة معي ومع عائلتي؟ العديد من المعتقلين محرومون فرصة دفع كفالة للإفراج عنهم. هل زوجي استثناء؟».
(يو بي آي)