في العام الأول الميلادي، كانت الهند سيدة العالم. كانت صاحبة الاقتصاد الأول، من دون منازع، تلحقها الصين ثم الإمبراطورية الرومانية - أي إيطاليا حالياً. وبعد مرور قرن ونصف قرن، أزاح الصينيون جيرانهم إلى المرتبة الثانية. وبفضل غنائم التجارة الدولية، تمكنت إيطاليا من استعادة مرتبتها، وذلك بعد تراجع سببه قيام الامبراطورية البيزنطية.


خلال القرون اللاحقة، تصارعت البلدان الأوروبية على المركز الثالث؛ ومع انطلاق الثورة الصناعية، حسمت بريطانيا الصراع على هذا المركز، فاحتكرته لفترة طويلة، تماماً كما احتكرت الولايات المتحدة لاحقاً المركز الاقتصادي الأول، مطيحة العملاقين الآسيويين معاً (الهند والصين).
ومع بزوغ فجر الألفية الجديدة، عاد العالم ليُشبه ما كان عليه اقتصادياً مباشرة بعد ولادة المسيح: الصين والهند في المراتب الأولى، ومعهما «العالم الجديد»، أي الولايات المتّحدة، التي تراجعت قوتها الاقتصادية مع الصعود الآسيوي الواضح.
النهضة الاقتصادية الآسيوية ستستمر بقوة خلال الأعوام الـ50 المقبلة، وستعزز سيطرة القطبين الآسيويين على القيادة الاقتصادية العالمية، ما سيفرض تحولات أكثر جذرية في إدارة العالم، كانت بشائرها الأولى قد بدأت تظهر في العقد الماضي، وتحديداً بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية العالمية.


سيتسلّح المستهلك الصيني بقوة شرائية ستساوي نصف المعدل المسجّل في أميركا

هذا ما خلصت إليه وحدة الأبحاث التابعة لمجموعة «إيكونومست» البريطانية، في تقرير خاص نشرته أخيراً عن «الأنماط الاقتصادية العامة حتى 2050». بحلول ذلك العام، ستكون الصين الأقوى اقتصادياً، في توقع لم يعد مفاجئاً؛ وبالتوازي مع نهضتها وصعودها، ستتقدم الهند إلى المرتبة الثالثة بعد الولايات المتّحدة مباشرة، لتحل بعدها إندونيسيا. وصحيح أن جميع البلدان الأوروبية على لائحة العشر الأوَل ستشهد تراجعاً، لكنّ بلداً وحيداً بينها، هو إيطاليا، سيسقط من تلك اللائحة.
يُمكن اختصار تفاصيل التوقعات الاقتصادية خلال العقود القليلة المقبلة بأنها استمرار لـ«ظاهرة النهضة الآسيوية»، وفق تعبير التقرير.
والظاهرة هذه ليست جديدة، فخلال القرن الماضي، شهد العالم نهوض اليابان وكوريا الجنوبية. ومع بداية الألفية الجديدة، سجلت البلدان الآسيوية معدلات نمو قياسية، وارتفعت حصتها من الاقتصاد العالمي من 26% إلى 32% بين عامي 2000 و2014. وبرغم أن نمو الدول الآسيوية سيتراجع نسبياً، فإنه سيستمر، وسيرفع ثقلها إلى 53% من الاقتصاد العالمي بحلول منتصف القرن الحالي.
وتفرض هذه التحولات تغييرات في أنماط الإدارة السياسية والاقتصادية الكونية: «نظراً إلى القوة الاقتصادية التي ستتمع بها الهند والصين، فإنهما ستؤديان دوراً أكبر في مقاربة القضايا الدولية مثل الأمن العالمي والإدارة الاقتصادية الكونية والاحتباس الحراري»، يقول بحث المجموعة البريطانية.
«في المدى المتوسط، سيُحتم هذا الأمر على القوى العالمية الحالية، وتحديداً الولايات المتحدة، السماح للهند وللصين خصوصاً، بأداء دور أكبر على الساحة الدولية، وإجراء تعديلات في (إدارة) المؤسسات الدولية للسماح لمنحهما نفوذاً أكبر».
التغييرات المرتقبة كبيرة فعلاً، فكل اقتصاد من الثلاثة الكبار سيكون حجمه أكبر من الاقتصادات الخمسة مجتمعة التي تحل بعد المراتب الثلاث الأولى. وكما سيكون التحول جذرياً في الأحجام، فإن العوامل الكامنة وراء النمو ستشهد أيضاً تحولات نوعية. فخلال العقود الماضية، كان معظم النمو المسجّل عالمياً مدعوماً من النمو الديموغرافي المسجّل حول العالم، ولكن ذلك الزمن قد انتهى.
«تكشف التقديرات الديموغرافية طويلة المدى أن نمو عدد سكان العالم سيتراجع دراماتيكياً، من 1.3% بين عامي 1984 و2014 إلى 0.5% خلال 2015-2050». والمؤشر الديموغرافي الأخطر سيكون على صعيد تعداد القوى العاملة، الذي سيسجّل معدل نمو يبلغ 0.3%، مقارنة بمعدل 1.7% خلال السنوات الـ35 الماضية.
ثمة بلدان ستعيش فورة ديموغرافية حقيقية، وتعيش نعمة نمو القوة العالمية. ستنمو القوى العاملة في بعض هذه البلدان إلى ثلاثة أضعاف، مثل أنغولا ونيجيريا، وسيشهد بعضها الآخر، مثل إيران ومصر والجزائر، نمواً إلى الضعف، ولكن المأساة الديموغرافية التي ستسجلها البلدان المتطورة تحديداً هي التي ستلقي بظلها على المشهد الديموغرافي القاتم عالمياً. فاليابان ستعيش تقلص تعداد قواها العاملة بواقع الربع، فيما الصين وكوريا الجنوبية والعديد من البلدان الأوروبية، بينها ألمانيا، ستسجل تراجعات متفاوتة.
«سيُمثل تراجع عديد القوى العاملة في هذه البلدان عبئاً على النمو... سيتحتم على هذه البلدان استبدال العامل الديموغرافي بمصادر نمو أخرى». في هذا السياق، يشرح التقرير أن سياسات الاستثمار في المجالات التكنولوجية، والبناء على التقدم المسجّل في مجال الفعالية الرقمية والأتمتة، ستكون جميعها عوامل حاسمة في ردم الهوة الديموغرافية المرتقبة في البلدان المذكورة.
في خلاصة التحليل إذاً، هل سيأفل نجم «المستهلك الغربي» الذي يتمتع بقوة شراء تعادل أضعاف ما هي عليه اليوم في العوالم النامية؟ صحيح أن معدلات النمو في البلدان الناشئة ستكون أقوى من نظيراتها في البلدان الصناعية حالياً، لكن الأخيرة، وبرغم التراجع الذي ستشهده في مقابل نهوض بلدان جديدة كالمكسيك وإندونيسيا، ستبقى «مسيطرة»، بمقياس حصة الفرد من الناتج.
«إن نمو البلدان الناشئة سيستمر في تأمين مستهلكين جدد وفرص جديدة... لكن لا يُمكن بمكان تجاهل الاقتصادات المتقدمة، برغم ضعف نموها، حيث ستبقى قوة إنفاق المستهلكين في هذه المناطق أعلى بنحو كبير»، يختم التقرير تقديراته.
وقد يبقى الوضع هكذا حتى نهاية العقد، لكن اللحاق الآسيوي يبدو في تسارع. ففي نهاية الفترة موضوع الدراسة، سيتسلح المستهلك الصيني بقوة شرائية تعادل تلك المسجلة في اليابان، وتساوي نصف المعدل المسجّل في الولايات المتّحدة، وذلك بعدما كانت عند 14% فقط من المعدل الأميركي في نهاية عام 2014.