طهران | غداة إعلان فيينا النووي، راحت الولايات المتحدة تروّج لنظرية مفادها أنها «تمكنت من منع إيران من الحصول على القنبلة النووية». ولكن ما يخفيه هذا الترويج، هو أن إيران لم تكن قادرة على تصنيع هذه القنبلة، أصلاً، إن من حيث المواد الضرورية، أو من حيث تقنيات التفجير واحتواؤها في رؤوس حربية، وهو ما يعدّ عملية معقدة لا قدرة لإيران على التوصل إليها، خلال السنوات العشر المقبلة على أقل تقدير.


بيت القصيد في المشروع النووي الإيراني، هو مفاعل «آراك» للمياه الثقيلة الذي بدأ العمل بإنشائه قبل اثني عشر عاماً، بعدما دخل مفاعل «أمير آباد» للمياه الخفيفة في طهران (بقدرة 5 ميغاواط) في مراحل الخروج من الخدمة. وكانت الولايات المتحدة قد أنشأت وشغّلت «أمير آباد»، في عهد الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي عام 1966، على أنه يصلح للعمل بين خمسين وستين عاماً، أي أنه بحلول عام 2016، يصبح العد التنازلي لعمر المفاعل أمراً واقعاً، ما استوجب بناء مفاعل «أمير آباد 2».


ما اتُّفق عليه
في فيينا لن يلغي المفاعل، بل سيقلّل إنتاج البلوتونيوم

هنا تجدر الإشارة إلى أن مفاعلات المياه الخفيفة تعمل على اليورانيوم المخصّب، وهي بحاجة لأجهزة طرد مركزي لرفع مستوى التخصيب بنسبة 20%، لاستخدامها في المجالات الطبية وإنتاج النظائر الإشعاعية لمعالجة الأمراض السرطانية وإجراء البحوث العلمية والطبية. لذا، برزت الحاجة الإيرانية إلى مفاعلات إضافية بقدرات أكبر، وكان لا بد من البدء بإنشاء مفاعل «أراك» للمياه الثقيلة (بقدرة 40 ميغاواط) لما له من مزايا إضافية على المستوى العملاني. وبعدما أبلغت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية نيّتها بناء المفاعل، بدأ العمل به عام 2003، لتقوم بعدها هيئة الطاقة الذرية الإيرانية بإبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي كان يرأسها محمد البرادعي، حينها، بأن الانتهاء من تشييد المفاعل سيكون في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2014، إلا أنّ اتفاق جنيف النووي، في تشرين الثاني 2013، أوقف العمل مؤقتاً بالمفاعل، بعد إنهاء نحو 85% من مراحل بنائه، وذلك «لتحديد صيغة واضحة لعمله».
مفاعل «آراك» للمياه الثقيلة، شكّل عقدة أساسية في تاريخ التفاوض على امتداد السنوات التي حفلت بالمباحثات، والسبب في ذلك يعود إلى آليات عمله.
أولاً، يعمل المفاعل على المياه الثقيلة (Heavy water) وصيغته الكيميائية (2H2O) أو (D2O)، وهذا الماء يحتوي على نظير ثقيل من الهيدروجين يسمى ديوتريوم بدلاً من الهيدروجين العادي، ويتجمّد عند نحو 3.8 درجات مئوية كما يغلي عند 101 درجة مئوية.
ثانياً، هو يعد اقتصادياً أكثر، ذلك أنه ليس بحاجة إلى يورانيوم مخصّب، ويعمل على «يورانيوم 235» الطبيعي، ونسبته 0.7%، ما يعني عدم الحاجة إلى أجهزة طرد مركزي ومنشآت تخصيب، إلا أن الإشكالية تقع في إنتاج الوقود النووي للبلوتونيوم.
يحتاح إنتاج البلوتونيوم إلى أن يبقى الوقود النووي نحو شهر في قالب المفاعل، وإذا لم يُستخرج منه يفقد الكثير من طاقته العالية، إضافة إلى الحاجة لتنقيته وإعادته كوقود بلوتونيوم إلى المفاعل لإنتاج الطاقة، بحسب ما أعلن رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي.
الولايات المتحدة الأميركية وجدت ضالّتها في كل ذلك، وهي الطاقة الهائلة في البلوتونيوم وسرعة الحصول عليه. صرحت واشنطن بأنها، من خلال تغيير قالب المفاعل، استطاعت منع إيران من الحصول على الكميات اللازمة لإنتاج قنبلة، وهو ما ينطوي على مغالطة تحاول أميركا نشرها على نطاق واسع. العمل في المفاعل يجري بإشراف الوكالة الدولية التي يقوم مفتشوها بزيارات دورية للمفاعل، في حين أن إيران تبقي الوقود النووي لمدة عام في داخله، ما يفقد البلوتونيوم الكثير من خاصّيته، إضافة إلى أنه لا توجد أي منشأة في إيران لتنقية البلوتونيوم وفصل الشوائب عنه. وعند استخراج البلوتونيوم من قلب المفاعل، تكون حرارته مرتفعة جداً وهو بحاجة للتبريد لاستخدامه، ما قد يستغرق عدة سنوات لاستكمال هذه المراحل، في حال وجود كافة المنشآت. وإن كان ذلك يعني شيئاً فهو أن إيران، عملياً، لم تكن قادرة على إنتاج البلوتونيوم المخصص لصناعة قنبلة، فضلاً عن عدم توافر تقنية صنع رأس نووي حربي.
ما جرى الاتفاق عليه في فيينا لن يلغي المفاعل بل سيقلّل إنتاج البلوتونيوم، بحسب ما أعلن الإيرانيون بعد بيان الاتفاق. وقد يُستخدم اليورانيوم المخصّب، بنسبة 5%، في المفاعل، ما يقلّل من إنتاجية المفاعل من البلوتونيوم، لأنه كلّما كان اليورانيوم خاماً، ارتفعت نسبة البلوتونيوم، وكلما ارتفع مستوى تخصيب اليورانيوم المستخدم، انخفضت نسبة البلوتونيوم.
إذاً، فاوضت واشنطن «من أجل إيقاف قنبلة نووية»، فيما حصلت طهران على مكاسب مقابل قنبلة غير موجودة، وهذا يعني أن الاتفاق النووي يخفي الكثير من الكمائن، والاختلافات في القراءات التي تفسّر بالنقطة والفاصلة، توضّحها العبرة التي تأتي في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق وتنفيذه.