على وقع العمليات المتبادلة بين القوات المسلحة التركية، وحزب «العمال الكردستاني»، يدخل المشهد الداخلي نفقاً مظلماً، مع الاقتراب من إعلان فشل مشاورات تأليف الحكومة، بصورة رسمية. وبينما تعيش بعض المحافظات التركية أجواء حربٍ حقيقية، ولا سيما مع إعلان عدد من المدن الحدودية التركية «مناطق آمنة»، يعلو صوت المعارضة متهمةً الرئيس رجب طيب أردوغان بالعمل على إفشال تشكيل حكومة ائتلافية، للذهاب إلى انتخابات مبكرة عبر «سياسة الدم»، لينتزع مجدداً الغالبية المطلقة لحزب «العدالة والتنمية». وكرر أردوغان، أمس، عزمه على المضي في الحملة التي تخوضها بلاده «طالما تعتبرها ضرورية»، متهماً «حزب العمال الكردستاني» وتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) بأن «مصلحتهما واحدة في إضعاف الدولة التركية».


وفي إطار مشاورات تشكيل حكومة ائتلافية، شهدت أنقرة، أمس، اللقاء الأخير بين وفدي حزبي «العدالة والتنمية» و«الشعب الجمهوري». وفيما تبدو المشاورات متعثرة أكثر من أي وقتٍ سابق، اتهم زعيم حزب «الشعب الجمهوري» كمال كليتشدار أوغلو، أردوغان بعرقلة المساعي لتشكيل حكومة ائتلافية، محذراً إياه من جر البلاد إلى انتخابات جديدة عبر «سياسة الدم» وتجديد الصراع مع المقاتلين الأكراد، لأن ذلك «سيكون أمراً مكلفاً للغاية». وفي مقابلةٍ تلفزيونية، قال الزعيم المعارض إن «رئيس الوزراء (أحمد) داود أوغلو يرغب بالفعل في الجلوس وتشكيل ائتلاف وإنقاذ البلاد من مشاكلها (...) لكن الشخص الذي يجلس على مقعد الرئاسة لا يسمح بذلك». وحمّل كليتشدار أوغلو أردوغان مسؤولية عرقلة «عملية السلام» مع «العمال الكردستاني»، مشيراً إلى أن الرئيس «يعارضها بصورةٍ علنية».
ورغم تأكيدات سابقة لمسؤولين أتراك إمكان مواصلة المفاوضات بين الحكومة والأكراد من أجل التوصل إلى اتفاق شامل ينهي عقوداً من النزاع المسلّح، تقلل التطورات الحالية التي أعادت إلى الواجهة التاريخ الدموي بين أنقرة و«العمال الكردستاني»، فرص استئناف «عملية السلام». وفي السياق نفسه، تزداد الضغوط على حزب «الشعوب الديموقراطي»، وعلى زعيمه صلاح الدين دميرتاش، «العالق بين العدالة والتنمية، والعمال الكردستاني»، وفقاً لوصف صحيفة «حرييت» التركية، يوم أمس. فالزعيم الكردي الذي يترأس كتلة برلمانية تضم 80 نائباً، بعد فوزه بالانتخابات العامة الأخيرة، يجد نفسه في مأزق اليوم، مع نية أردوغان الواضحة الذهاب إلى انتخابات مبكرة. وتزداد المخاوف في هذا الاتجاه، من خسارة دميرتاش أصوات الناخبين، حيث إن موقفه إلى جانب «العمال الكردستاني» سيفقده أصوات الناخبين المعتدلين، أما وقوفه إلى جانب خيارات «العدالة والتنمية» فستفقده أصوات الناخبين الأكراد.
من جهةٍ أخرى، رأى أردوغان في سياق حديثه عن سياسة بلاده الخارجية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتجه الى «التخلي» عن الرئيس السوري بشار الأسد. وأكد الرئيس التركي، أثناء عودته من جولته الشرق آسيوية، أن بوتين أوحى له، خلال لقاء في العاصمة الأذرية باكو في حزيران الماضي وخلال حديثٍ هاتفي لاحق، أنه «يبدل موقفه من الأزمة السورية».
في هذا الوقت، وفي ما يشبه إعلان حالة الطوارئ، أعلنت أنقرة أمس، ضمّ محافظتي أغري وتونجلي إلى «المناطق الآمنة الخاصة» التي أقامتها السلطات التركية شرق البلاد، منذ إعلان الحرب على «الإرهاب». وأعلنت إدارتا المحافظتين قيام «مناطق آمنة» في أراضي المحافظتين، ما يتيح للسلطات التركية فرض وضعٍ مماثل للأحكام العرفية، وحظر دخول المدنيين إليها، في وقتٍ يحق فيه لقوات الجيش والشرطة إطلاق النار على أي أهداف «مشبوهة» من دون إنذار مسبق، وذلك لمدة 15 يوماً.
ويوم أمس، أكد «العمال الكردستاني» أن الهجوم الذي استهدف ثكنة للدرك في مدينة دوغوبيازيت أول من أمس، جاء «رداً على مجزرة زركال»، وهي قرية في شمال العراق، استهدفها الطيران التركي ما أسفر عن مقتل «عدد كبير من الاطفال» وإصابة 15 آخرين. إلى ذلك، تحدثت وسائل الإعلام التركية عن هجمات جديدة نسبتها إلى «الكردستاني»، بينها هجومان على مستشفى عسكري وقافلة للجيش في شرق البلاد، «لم يسفرا عن ضحايا».
(الأخبار، الأناضول، أ ف ب، رويترز)