إسطنبول | غالباً ما تشهد الانتخابات التركية حماسةً شعبية كبيرة. وكان من الطبيعي ألا تكون انتخابات يوم أمس، التي تُجمع الآراء على اعتبار أنها الأهم في تاريخ التعدُّدية الحزبية التركية، قد خرجت عن هذه القاعدة. ومنذ صبيحة اليوم الانتخابي الطويل، اصطفّت طوابير الناخبين أمام مراكز الاقتراع مع عائلاتهم. المشهد العام في إسطنبول كان لافتاً للنظر: الرجال بربطات العنق الأنيقة، والنساء بـ«ثياب العيد»، إضافة إلى 8 ملايين ناخب على الصعيد الوطني متحمّسون لكونهم يصوّتون للمرة الأولى في حياتهم. لكنّ الحماسة الكبيرة شوشت عليها مقاطعة انتخابية عرفتها بعض القرى في شرق البلاد خصوصاً؛ ففي إحدى قرى محافظة دياربكر، حيث تعيش 25 أسرة فقط، اعترض السكان على الانتخابات بما أنّه حتى اليوم، ليس في قريتهم طرقات معبّدة على نحو مقبول ولا مراكز رعاية صحية.

أما في محافظة أغري المحاذية للحدود مع إيران، فلم يشارك ناخبو قريتين أيضاً في التصويت بسبب عدم التزام الحكومة بوعدها تشييد جسر فيهما. وضع مشابه عرفته قرية في عمق الأناضول حيث صوّت 5 ناخبين من أصل 135 مسجلين على اللوائح. وفي بعض القرى، انتهى التصويت في غضون دقائق بعد فتح الصناديق، مثلما حصل في يولفران في محافظة باتمان جنوب شرق البلاد، حيث لم يصوّت سوى ناخبَين اثنَين، لا لأن الآخرين مقاطعون، بل لأن جميع المسجلين الآخرين على لوائح الاقتراع مقيمون في ألمانيا.
ورغم المعارك الكلامية الحادّة التي شهدتها الحملات الانتخابية بين الأحزاب المتنافسة، لم يشهد اليوم الانتخابي الطويل أحداثاً أمنية تُذكَر، لا بفضل الإجراءات الأمنية فحسب، بل أيضاً لأنّ يوم الانتخاب يشهد حظراً تامّاً لتناول الكحول وبيعها، ما يخفف من الإشكالات كثيراً. ومثلما كان متوقّعاً، كانت الإثارة الأكبر في المناطق ذات الغالبية الكردية في جنوب وجنوب شرق البلاد، حيث يخوض المرشحون المحسوبون على حزب «السلام والديموقراطية» المقرب من «العمال الكردستاني»، انتخاباتهم بصفة مستقلة.
واشتكى المرشحون الأكراد من خروق كثيرة لنزاهة الانتخابات وقوانينها، وخصوصاً في ظل الحضور الكثيف جداً لرجال الأمن والشرطة في جوار مراكز الاقتراع وداخلها. لكن أيضاً كان لدى رجال الأمن والمرشحون الآخرون اعتراضات، بدليل اعتقال عدة ناشطين محسوبين على حزب «السلام والديموقراطية» الكردي بتهم ممارسة الضغوط والتهديدات على الناخبين. وفي مدينة شانليورفا الكردية، اشتبك المرشح المستقل إبراهين بينيسي (المناصر فعلياً لحزب السلام والديموقراطية) مع رجال الشرطة وصفع اثنين منهم. وبرر بينيسي فعلته بالقول إنه لا يحق لرجال الشرطة أن يكونوا موجودين بالقرب من صناديق الاقتراع، وهو ما رفضه رجال الأمن. وبعد الاشتباك، فتح حاكم المنطقة تحقيقاً بالموضوع.
كذلك عرفت بعض المدن اشتباكات أمنية «خفيفة»، وهو ما حصل حين ضبط الأمن رجلين يحملان لوائح انتخابية مزوّرة تضع علامات مميزة بجانب اسم أحد المرشحين المستقلين لدفع الناخبين للتصويت لمصلحته في مدينة أوزلاب التابعة لمحافظة فان ذات الغالبية الكردية.
وبدا أمس أنّ الحماسة الشعبية إزاء الانتخابات كبيرة جداً، لدرجة أنّ بعض الناخبين والناشطين تجاهلوا علمهم بأنّ هناك مذكرات توقيف بحقهم، وذهبوا للتصويت بالفعل، رغم علمهم بأن هذه الخطوة ستؤدي الى اعتقالهم. ومثلما يجري في كل دورة انتخابية، مهما كان نوعها، اعتقل رجال الأمن 1596 شخصاً أمام صناديق الاقتراع.
ولم تقتصر المشاكل على الحوادث الأمنية الهامشية، إذ أدّت أحوال الطقس والمطر الغزير الى إعاقة عملية الاقتراع لنصف ساعة في مدينة كوشالي. وشهد اليوم الانتخابي الطويل، أمس، أحداثاً حزينة أيضاً، إذ توفيت سيدتان مسنّتان بسبب الزحمة التي وجدتا نفسيهما فيها أمام صناديق الاقتراع. وإحدى الضحيتين للزحمة الانتخابية كانت تبلغ 69 عاماً، وتوفيت فور إدلائها بصوتها داخل مركز الاقتراع. وبحسب رجال الإسعاف الذين عجزوا عن نجدتها، فإنّ السيدة توفيت نتيجة أزمة قلبية حادة، ونقلوها فوراً إلى المشرحة لإجراء المقتضى القانوني، في ظل صدمة المسؤولين الحكوميين عن صندوق الاقتراع. أما المتوفاة الثانية، فقد قضت نتيجة توقف قلبها عن العمل أيضاً بينما كانت تنتظر دورها للإدلاء بصوتها في مدينة باليكسير.