نيويورك | داخل المنظمة الأممية التي وُلدت من رحم الحرب العالمية الثانية، وملكت فيها الدول الكبرى حق النقض، الذي ينسف مبدأ المساواة، يحصل كل شيء بالتوافق على التسليم للأقوى عسكرياً ومالياً وسياسياً. الأقوى اليوم هم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والروس والصينيون. لكنها معادلة بدأت بالتبدل ولو ببطء، مع ظهور أسود اقتصادية صاعدة في زمن الركود الطويل. أسود كالصين والهند والبرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا، فضلاً عن النمور الآسيوية غير الكرتونية الأخرى. من هنا كانت ضرورة إيجاد نظام جديد يضمن للأكثرية الحالية تفوقاً حتى عندما تضعف عناصر القوة الثلاثة، بإشراكها في نظام الأقوياء تحت شروطهم.

كان دور الأمم المتحدة الرئيسي حفظ السلام والأمن الدوليين. أمر يعني أن يترك كل شأن داخلي للحكومات الأعضاء. وأعادت المنظمة في القمة العالمية عام 2005، برئاسة الأمين العام السابق كوفي أنان توسيع هذا الدور ليشمل واجب حماية المدنيين. وهي مسألة مطاطة تسمح بالتدخل في شؤون الدول. تدخّل ممكن من كل النواحي طالما اتفق الكبار. فهؤلاء يحددون من يهدّد السلم والأمن الدوليين، ومن يمارس حق الدفاع عن النفس.
وفي مدخل جديد لهذا التدخل، أُنشئت محكمة الجنايات الدولية لتمارس سلطة قضائية لا تطاول الدولة الأقوى في العالم التي رفضت التوقيع على ميثاقها. يكفي أن تتفق غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي على الأمر، كي تصدر مذكرات الجلب. وباتت الجرائم ضدّ الإنسانية حمّالة أوجه، فتكون كذلك في العراق وليبيا واليمن وسوريا والسودان والصومال والكونغو أو ساحل العاج، ولا تكون كذلك في البحرين ولبنان وغزّة أو الضفة. تستطيع تلك الدول أن تطبّق تفسيرها الانتقائي في الشرق الأوسط، لكن بالقطع لا تستطيع تطبيقه في أوروبا أو في شرق آسيا. هذا ما سجّلته الصين بوضوح في الجمعية العامة عندما دفعت باتجاه إعادة مناقشة التقرير الذي قُدم أخيراً بناءً على توصية القمة العالمية. لقد شدّدت على أهمية صون سيادة الدول، فيما كان موقف بان كي مون مدافعاً عن مبدأ «السيادة المسؤولة». والمقصود بذلك، ليس الدفاع عن المحتجين المسالمين العرب الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية عمداً على الشريط الحدودي في مارون الراس وقبالة مجدل شمس، لأن مسؤولية حفظ الأمن على حدود فلسطين المحتلة تقع على عاتق سوريا ولبنان، حسب موقف الأمين العام.
مبدأ «السيادة المسؤولة» يعني أن سيادة الحكومات تمنع ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق شعوبها. وكذلك تعني مسؤولية المجتمع الدولي ممثلاً بالأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، في رصد الأوضاع الإجرامية وتفادي وقوعها. ومبدأ حماية المدنيين جاء مقابلاً لمبدأ «الاتحاد من أجل السلام» الذي كان سائداً في العقود الأولى التي تلت الحرب العالمية الثانية. المبدأ الأول كان يسمح بتجاوز الميثاق في حروب استثنائية، فيما الثاني يكرّس حق التدخل في شؤون الدول غير القادرة على حماية استقلالها وسيادتها بهدف إعادتها إلى بيت الطاعة.
في عهد بان كي مون الأول، لم يطبق مبدأ حماية المدنيين العزّل في العديد من الصراعات ووقف الأمين العام موقفاً ملتبساً. ربما تطبيق المبادئ في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي شاق عليه لأسباب معلومة، لكنه ليس كذلك في قضية مثل سري لانكا التي قُتل فيها عشرات آلاف المدنيين التاميل بعد الاستسلام وتحت أنظار الأمم المتحدة.
وبطبيعة الحال، الأمين العام لا يستطيع الوقوف في وجه الدول النافذة، إلا إذا كان متلطياً في ظل الأقوى بينها ضدّ الأقل قوة. فالدول الكبرى تطبق مبدأ الحماية باستنسابية مكشوفة. فرنسا مثلاً تتبنى المغرب وتدافع عنها في قضية الصحراء الغربية ضدّ البوليساريو والجزائر. والولايات المتحدة لا تحمي إسرائيل وحدها من الانتقاد، بل تمنع أيضاً نقل قضايا أميركا اللاتينية إلى أروقة الأمم المتحدة، رغم أنها مسألة بدأت تضعف تدريجاً مع بروز تحالفات إقليمية أميركية لم تعد خاضعة كلياً لإرادة الولايات المتحدة. أما روسيا، فتدافع عن الدول الواقعة ضمن نطاق نفوذها مثل روسيا البيضاء، فلا تسمح بمناقشة الوضع في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وتدافع عن سوريا. الصين، بدورها، دافعت مع روسيا، عن ميانمار باستخدام «الفيتو»، وعن كوريا الشمالية، وإن بدرجة أقل، وإلى حد ما عن السودان.
غير أنه ما من دولة كبرى لجأت إلى استخدام «الفيتو» بقدر الولايات المتحدة في دفاعها المستميت عن الحروب والاعتداءات الإسرائيلية، الى درجة أن الأمم المتحدة بدأت تأخذ منذ الحرب على الإرهاب شكل «مُطهّرة» لعمليات الاستعمار الجديدة التي تزحف بسرعة مطيحة الأنظمة ومقسمة للدول بحجة حماية المدنيين من بطش الحكام الطغاة.
كل ذلك يجري تحت ذريعة الإنقاذ أو حفظ السلام أو بناء مؤسسات حكومية. نظام عالمي للأقوياء يرتدي قبعات زرقاً وأخرى رمادية عندما يأتي بقوة من حلف شمالي الأطلسي. لكن إذا تضاربت مصالح الكبار، يكون عندها متسع لكي تدلي الدول الأقل نفوذاً بدلوها، كما حصل في التصدّي لمشروع القرار الذي قدّمته الدول الغربية لإدانة سوريا. وعندما يفشل مجلس الأمن الدولي في الاتفاق على الإدانة، يأتي دور الأمين العام ليقدّم موقفاً مستقلاً يندّد بالانتهاكات الفظيعة، ويحيل القضية على مجلس حقوق الإنسان.




الأمين العام «ضمير الأقوياء»

يقدّم الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، نفسه على أنه ضمير الضعفاء من دون تمييز. قول يكرّره كثيراً، لكن لا يُقنع رجال الإعلام الذين يدركون حدود منصب السكرتير العام. مراسل أميركي سأله في المؤتمر الصحافي الذي عقده الأسبوع الماضي لإعلان إعادة ترشيحه «الآن وبعدما ضمنت ولاية ثانية، هل تتوقع أن تستغل الفرصة لتطبيق حقوق الإنسان على الدول الخمس الكبرى؟»
ردّ بأنه لا يميز بين دولة وأخرى، وأنه ينوي منحها مركز الأولوية. لكن في سياق ردّه على المراسل نفسه بشأن لجوء القوات الإسرائيلية إلى الذخيرة الحية في الجولان قبل استخدام المياه والرصاص المطاطي أو الغاز المسيل للدموع، اكتفى بالإعراب عن أسفه على الضحايا، وأكد أنه ينتظر تقرير تحقيقات قوات الفصل في الجولان السوري المحتل لاتخاذ موقف.