«إذا كنت عالقاً في حلم الآخر، فانتهى أمرك». يستشهد الفيلسوف السلوفيني، سلافوي جيجك، بالمقولة هذه، وهي لسلفه الفرنسي، جيل دولوز، ليفسر موقع اليونان في منظومة اليورو، أو في «الحلم الأوروبي».

يرى جيجك أن «اليورو» لم يعد يؤمن حقيقةً بسياساته، وأنه يعلم جيداً أن من المحال إنهاء الأزمة، إن كان في اليونان أو أوروبا عامة، عبر السياسات المنحازة طبقياً التي تفرضها: مراكمة الديون على بلدانٍ اقتصادُها منهار، وزيادة الضرائب على الطبقات الفقيرة من المجتمع، وخصخصة المؤسسات العامة، وتقليص الضمانات الاجتماعية، وإعفاء الأغنياء من ضرائب أعلى، ولكن أوروبا لا تريد أن تستيقظ، فحكّامها على استعداد تام لسحق ما يمثّل نقيض «الحلم الأوروبي»، أو الدليل المادّي على فشله، أي اليونان، هنا؛ وهم بذلك يطيلون أمد الحلم، ولو قليلاً.

تمثّل ذلك بموقف واجهه وزير المالية اليوناني السابق، يانيس فاروفاكيس، في أحد اجتماعات «مجموعة اليورو»، عندما خاطبه وزير مالية أوروبي قائلاً: «إنك على حق بما تقول، ولكننا سندمركم على أي حال».
ليس صراع «سيريزا» مع أوروبا مالياً في جوهره، بل هو صراع أيديولوجي وسياسي، كما أظهر فاروفاكيس، عندما قال إنه لم يكن في «مجموعة اليورو» أي خلاف حول تقييم طبيعة الأزمة أو أسبابها الموضوعية، ولا في آلية المعالجة، بل المسألة هي، ببساطة، أن اليورو يسعى إلى «سحق» سيريزا.
كذلك، يرى الاقتصادي الأميركي، بول كروغمان، أن ألمانيا لا يكفيها مجرد «استسلام اليونان» لشروطها، بل هي تريد «تغيير النظام وإذلاله تماماً». في وقت سابق، دعا كروغمان اليونان للخروج من اليورو، بحجّة أن الأسوأ قد حصل بالفعل، وأنه إذا اتبعت اليونان آلية معيّنة، تتضمن تأميم البنوك والسيطرة على الصناعات الأساسية، يمكن للحكومة تأمين نوع من الاستقرار يسمح لها بالعمل نحو انهاء الأزمة، ولكن، ألم يدعُ أمثال وزير المالية الألماني، وولفغانغ شويبله، اليونان للخروج «المؤقت» من اليورو أيضاً؟ وشويبله هو أحد أكثر الأوروبيين تشدداً تجاه الأزمة اليونانية، والمعرقل الأول للحلول في «مجموعة اليورو»، التي وصفها فاروفاكيس بـ«أوركسترا» يقودها المايسترو الألماني، شويبله.
خروج اليونان من اليورو سيمثل فرصة ليبدأ شويبله بتنفيذ خطته لإعادة هيكلة أوروبا، حيث ستتواجد الـ«ترويكا» (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) في جميع دول أوروبا. رأى فاروفاكيس أن وراء اقتراح شويبله رغبة بجعل اليونان نموذجاً لمن يفكر لاحقاً في الإقدام على خطوة مثيلة، وذلك في دول أخرى تعاني أزمة مشابهة، كإيطاليا وإسبانيا، وبالأخص فرنسا، التي أعلنت إحدى أهم مرشحي الرئاسة فيها، مارين لو بين، زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» اليميني، أن «خروج اليونان من اليورو أمر حتمي، وفرنسا ستلحقها». وبحسب فاروفاكيس، فإن «مخطط شويبله هو جعل الترويكا في كل مكان، في مدريد أيضاً، ولكن خاصة في باريس»، موضحاً أن الأخيرة «هي الجائزة الكبرى والوجهة الأخيرة للترويكا».
وللأزمة وجه آخر، يمثل خطورة جوهرية على الحكومات الأوروبية التي تبنّت منهج «لا يمكننا التخلص من التقشف إلّا بالتقشف»، وهو احتمال نجاح اليونان بالخروج من التقشف بغير التقشف، ما سيضع تلك الحكومات، وبالأخص الحكومة الألمانية، في موقف حرج مع ناخبيهم من العمّال والفقراء، الذين أنهكتهم سياسات التقشف في السنوات الماضية. من شأن ذلك أن يدفع الشعوب إلى الميل نحو اليسار، بحثاً عن حلول جذرية للأزمة الاقتصادية؛ وذلك سيكون بمثابة كابوس يتحقق بالنسبة إلى الطبقة الحاكمة في أوروبا والعالم.
يعلم دائنو اليونان أنهم لن يستعيدوا أموالهم، ويعلمون أيضاً أن إعطاء أثينا المزيد من المال لن يحسّن وضعها؛ ولكن الأمر لا يتعلق بالديون أصلاً، بل هي مسألة حفاظ على منظومة تنهار من الداخل.