الصيف اليوناني هذا العام اكثر سخونة من سابقه. في العام الماضي نجح الاوروبيون وصندوق النقد الدولي في امتصاص حدة الازمة عندما وضعوا خطة انقاذ لليونان، لكن بعد مرور اقل من عام لم يستجب الجسد المريض للعلاج، وها هو يواجه من جديد انتكاسة كبيرة، لا دواء لها في نظر الاطراف المعنية سوى المزيد من شد الاحزمة. بالنسبة إلى المواطن اليوناني لم تعد هناك احزمة ليشدها، كلها تقطعت على مدى سنوات اليورو العجاف، حيث بات الفقير معدماً، ومتوسط الحال فقيراً، والغني لا يأمن على ماله، وفي كل يوم تلتحق بأسواق البطالة آلاف جديدة ممن يفقدون عملهم، فتتهدد حياتهم الاجتماعية من سكن وطبابة وتعليم. نصف منازل اثينا معروضة للبيع اليوم بنصف اثمانها، في لعبة احتيال تقودها المصارف، قائمة على عدم قدرة المواطن على تسديد الاقساط. آثار الأولمب باتت في المزاد العلني، وجزر بكاملها يحوم من حولها اغنياء اجانب لشرائها، والصين تطوعت لشراء البلد بأكمله. وضع كارثي يزيد في حدته الارتفاع الخرافي للاسعار وتراجع القدرة الشرائية وانخفاض قيمة اليورو، فسعر الخبز تضاعف في عام، وخلال اسبوع ارتفع عدد زوار المستشفيات الحكومية 20 في المئة بسبب عدم القدرة على ارتياد العيادات الخاصة. استشراء الفساد على نطاق واسع جداً في الاجهزة الحكومية الرسمية. وتفيد الاحصائيات بأن راتب الكادر الجامعي المؤهل (مهندس) لا يتجاوز 500 مئة يورو في الشهر الواحد، وهو مبلغ لا يكفي لدفع إيجار غرفة في أثينا. وتفيد ارقام اوروبية غير رسمية بأن تسعة من اصل عشرة موظفين في اليونان يطلبون رشوة مقابل تسيير معاملات المواطنين، فضلاً عن احتجاجات نقابية ضد سياسة الحكومة في خصخصة قطاعات كاملة كالاتصالات وخدمات الموانئ وتعديل نظام التقاعد، ومحاولة تعديل الدستور بخصوص النظام التعليمي.

رئيس الحكومة الاشتراكي جورج باباندريو يجاهد ليجد حلاً، ونجح يوم الاربعاء في تحقيق نصر سياسي مهم، إذ فازت خطته التقشفية بغالبية برلمانية ولو ضئيلة (155 صوتاً من اصل 298). ومدة خطة التقشف هذه خمس سنوات، ما يزيل عقبة رئيسية أمام مسعى اليونان للحصول على تمويل دولي لتفادي عجزها عن سداد الديون المتراكمة عليها. وبعد هذه الخطوة بقي على البرلمان، أمس، إقرار تشريع تفصيلي يحدد إجراءات تنفيذ حزمة التقشف. وتتكون الخطة المقترحة من الحكومة اليونانية من عدة إجراءات تهدف إلى الحدّ من النفقات الحكومية حتى عام 2015، بالإضافة إلى رفع نسبة الضرائب، حتى الوصول إلى تقليصات بقيمة إجمالية تصل إلى 28 مليار يورو. يضاف إلى ذلك خصخصة لعدد من المنشآت الحكومية بقيمة 50 مليار يورو.
وكان الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي قد اشترطا على اليونان القيام بإجراءات تقشفية قبل تقديم حزمة مساعدات مالية جديدة تصل قيمتها إلى أكثر من 100 مليار يورو. يشار إلى أن من دون هذه المساعدات كانت اليونان تستعد لإعلان إفلاسها وعجزها عن سداد ديونها في منتصف شهر تموز الجاري. وبحسب شركاء اليونان، الذين منحوها أسبوعين لتبنّي خطة التقشف الجديدة، إذا ما أرادت أن تحصل على قرض حيوي بقيمة 12 مليار يورو أثناء اجتماع استثنائي لوزراء المال الأوروبيين (يوروغروب) في الثالث من تموز، ووفق وزارة المال اليونانية، فإن حاجات اليونان للتمويل مغطاة حتى 18 تموز الجاري. وبحسب مذكرة تحليلية، حدد «يوروبنك» تكلفة خدمة ديون اليونان حتى نهاية تموز بـ6.83 مليار يورو دون احتساب باقي النفقات مثل الرواتب ومعاشات التقاعد. وعكس قلق الأسواق ارتفاع معدل الفائدة إلى 4.62% الذي وافقت اليونان عليه أخيراً للحصول على 1.625 مليار يورو على مدى 3 أشهر، وإدراكاً منه لدقة الموقف، استعاد باباندريو زمام المبادرة الأسبوع الماضي فيما بدت ملامح تمرد داخل نواب حزبه. وقد طلب الثقة لحكومته بعدما أدخل تعديلاً عليها تمثل بالخصوص في تعيين أحد أقطاب الحزب الاشتراكي إيفانغيلوس فينيزيلوس وزيراً للمال.
وبعد اجتماعات بروكسل ولكسمبورغ في الاسبوعين الماضيين، كثّف الرجلان من تعهداتهما إزاء شركاء اليونان الذين لوحوا بدورهم بزيادة الدعم المالي للبلاد على الأمد البعيد، لأن القرض المبرم في أيار 2010 بقيمة 110 مليارات يورو لم يكن مهدداً بالتخلف عن السداد. وقال باباندريو «نحن مصممون على المضي قدماً في القيام بكل ما هو ضروري حتى تستعيد بلادنا وضعاً اقتصادياً أفضل وقابلاً للحياة». وأكد فنيزيلوس «أن الأمر الأهم هو إرساء علاقة ثقة واستقرار الوضع، ولذلك يجب تبني الخطة» قبل نهاية الشهر. وأعلن في خضم ذلك أن قانون تطبيق البرنامج، الذي يقر نهائياً الإجراءات الضريبية غير الشعبية، سيصار إلى تبنيه قبل 30 حزيران، أي قبل الموعد المحدد بأسبوع. وقد اقترح رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو تخصيص تمويلات من ميزانية الاتحاد الأوروبي بأسرع مما كان مقرراً لليونان لمساعدة هذا البلد على إعادة إطلاق اقتصاده والتصدي للبطالة.
ووصلت أخيراً إلى أثينا «لجنة تقنية في مستوى الخبراء»، ممثلة للترويكا (البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي)، ومكلفة مراقبة الحسابات اليونانية للتثبت من أن هذا القسم الضريبي الذي خضع للتعديل في آخر لحظة من جانب الحكومة «يلبي تماماً الأهداف المتفق عليها!»، بحسب ما ذكر مصدر في الوزارة لوكالة الصحافة الفرنسية. لكن من غير الوارد إعادة التفاوض على شروط خطة لعدة سنوات تنص حتى 2015 على توفير 28.4 مليار يورو واقتطاعات بقيمة 50 مليار يورو لمواجهة ديون تفوق قيمتها 350 مليار يورو. ولا تزال أقساط تصل في مجموعها إلى 15 مليار يورو من خطة الإنقاذ الأوروبية لم تتسلمها أثينا بعد، لكن يجب عليها إثبات أنها تستطيع استخدامها بكفاءة، كما أن عليها تقديم جزء من خطة الإنقاذ.
وتنظر الدول الأوروبية في إمكانية تقديم حزمة إنقاذ أخرى لليونان بعد أن ينتهي أجل الحزمة الأولى في 2013. وقد تصل الحزمة الجديدة إلى 110 مليارات يورو. وتدرس الدول الأوروبية إمكانية إشراك البنوك والمؤسسات المالية الخاصة المقرضة لليونان في تحمّل جزء من عبء الديون اليونانية. وقال مسؤول ألماني إن نقاشاً بهذا الشأن بدأ بالفعل بين وزراء مال منطقة اليورو والبنوك التجارية المقرضة لليونان، وتدرس دول منطقة اليورو مع البنك المركزي الأوروبي ومؤسسات التصنيف الائتماني كيفية استبعاد خفض التصنيف الائتماني لليونان في حال الطلب من البنوك المقرضة إعادة هيكلة القروض جزئياً. وفي الوقت نفسه، يشترط صندوق النقد الدولي، الذي قدم ثلث خطة الإنقاذ الأولى، دفع اليونان نصيبها من القسط الجديد من الخطة الحالية. وقد تضطر اليونان إلى إعلان الإفلاس إذا لم تتسلم هذا القسط في منتصف تموز الجاري.
وخيمت أزمة اليونان المالية على قمة الزعماء الأوروبيين التي انعقدت يوم الرابع والعشرين من الشهر الماضي في بروكسل، حيث سعى خلالها الاتحاد الأوروبي إلى دعم أثينا بهدف المحافظة على الاستقرار المالي لمنطقة اليورو. وقررت حكومات المنطقة الأوروبية الانتظار حتى الثالث من تموز من أجل اتخاذ قرار نهائي بشأن تقديم قسط جديد من خطة وافق عليها الاتحاد في العالم الماضي لإنقاذ اليونان بعد أن يصوت البرلمان اليوناني على خطة حكومية يونانية بالتقشف والخصخصة والإصلاحات المالية.
رب ضارة نافعة، كما يقال، وهو ما يكشف أن الاتحاد الأوروبي، ومن خلال منطقة اليورو، ليس بالمتانة التي يدّعيها الكثيرون. ولعل الإنكليز يضحكون، بقوة وهم يقرأون حرب التصريحات الفرنسية الألمانية، وأيضاً انهيار بلد تبنّى اليورو منذ فترة، كاليونان. وكان الموقف الألماني هو الأكثر وضوحاً والأكثر صراحة، وعبّر عنه اكثر من مسؤول، وفحواه انه يجب على اليونان أن تحل مشكلتها وحدها، وكل شيء يجب أن يُنجَزَ في هذا الاتجاه بدل الحديث عن مساعدة سابقة لأوانها لن تقود إلى شيء على المستوى الطويل وستضعف أكثر فأكثر اليورو. وفجرت المستشارة الألمانية قنبلة بالتأكيد أن الاتحاد الأوروبي له، في نهاية المطاف، إمكانية إقصاء أي بلد أوروبي، من منطقة اليورو، لا يستجيب للشروط في ما يخص العجز الضريبي. وهو ما يعدّ ضربة لحاكم البنك المركزي الأوروبي، الفرنسي جاك تريشيه، الذي رأى على الدوام، أن من العبث أن يغادر بلدٌ ما منطقة اليورو.
حاولت ألمانيا، منذ البداية، أن تساير الموقف الأوروبي من المعضلة اليونانية، كي لا تظهر انعزاليتها وعجرفتها، وبذلت مجهودات وكظمت غيظها، ما منح الموقف الألماني بعداً براغماتياً كبيراً. لكن التصريحات الفرنسية والتهديدات اليونانية باللجوء إلى دعم صندوق النقد الدولي، أخرج المسؤولين الألمان من اتزانهم وحكمتهم. وهنا جاء الرد الألماني المدوي والصريح: «اليونان هي من وضعت نفسها في هذه المعضلة، وخصوصاً من خلال إخفاء الإحصاءات الاقتصادية. عليها أن تدفع الثمن».
ألمانيا تلفظت عدة مرات بما كان كثيرون لا يجرؤون على استحضاره. وهو حل الأزمة اليونانية من خارج منطقة اليورو. وهو ما يعبر عنه الألمان بالقول: «إن أي إنقاذ لليونان من دون صندوق النقد الدولي سيكون خطيراً جداً».. وبأن صندوق النقد الدولي يمتلك وسائل ضرورية.
أين هو اليونان، البلد المعني؟ وماذا يقول مسؤولوه الذين يخشون فوضى اجتماعية عارمة؟ يعترف رئيس الوزراء اليوناني الاشتراكي جورج باباندريو، الذي ينشد دعماً أوروبا، بأن بلده «لا يريد أموال الألمان والفرنسيين والإيطاليين أو أموال عمال آخرين أو أموال دافعي ضرائب أوروبيين. نقول إننا نريد دعماً سياسياً قوياً كي ننجز هذه الإصلاحات الضرورية، وكي نكون على يقين من أننا لن ندفع أكثر مما هو ضروري لتنفيذ الإصلاحات».
القراءة الألمانية للأزمة اليونانية قراءة ترتكز على النظام والمسؤولية، وليس كما يفعل الأعضاء اللاتين. يعني أن الرؤية اللاتينية تختلف مع الصرامة الألمانية. ومن هنا فالتلويح الألماني بإمكانية إقصاء بلد ما من منطقة اليورو يندرج في القراءة الألمانية الصارمة للالتزام بقوانين الاتحاد الأوروبي، إذا أراد الاتحاد أن يصمد في مواجهة قوى أخرى متربصة ولا ترحم. لكن أمر «الإقصاء» يطرح قضايا أخرى قد تعصف بالاتحاد الأوروبي، وهي رغبة بلد ما في مغادرة طوعية لمنطقة اليورو، وهو ما سيقضي على أوروبا. الذي يراقب مسار الاتحاد الأوروبي لا بد أنه لاحظ أنه لا يمكنه أن يمشي على قدميه إلا من خلال تنسيق فرنسي وألماني، وليس من شك في أن البلدين عرفا أزمات أكثر حدة من الأزمة اليونانية، وعرفا كيف يتجاوزانها، لأنه محكوم عليهما أن يقودا القاطرة معاً، في انتظار ربان بريطاني، قد تمنحه التجربة المريرة اليونانية، رغبة إضافية في تأخير الانضمام إلى العملة الأوروبية، إلى ما شاء الله. وفي انتظار مواعيد ولقاءات ومؤتمرات، قد تخفف من أعباء الشعب اليوناني، وخاصة موظفي القطاع العمومي، فإن الحركات الاحتجاحية لن تتوقف، ما سيسبب للخزينة اليونانية أعباء إضافية، هي في غنى عنها.
أزمة اليونان ليست الأولى ولا الأخيرة، فهي تفتح الباب لتداعيات كبيرة بدأت عوارضها بالظهور في البرتغال وإسبانيا وإيرلندا وإيطاليا.




البرلمان اليوناني يتبنّى التقشّف

لقي تبنّي البرلمان اليوناني خطة تقشف، ترحيب الاتحاد الأوروبي الذي يخشى أن تصاب دول أخرى في منطقة اليورو بعدوى الأزمة اليونانية، فيما اتخذ النواب أمس تدابير تفصيلية على بلادهم ان تلتزمها خلال الأعوام الاربعة المقبلة.
ويشتمل القانون على سبل التوصل الى تحقيق 28 مليار يورو عبر اقتطاعات مالية وخمسين ملياراً من طريق الخصخصة.
في هذا الوقت، أمرت الحكومة اليونانية بفتح تحقيق حول أعمال العنف التي وقعت أول من أمس في وسط العاصمة أثينا، خلال تظاهرات الاحتجاج على تبنّي خطة التقشف الصارمة، والتي أوقعت مئة جريح، حسبما أعلن مصدر رسمي.
ويتعلق التحقيق الذي امر به وزير حماية المواطن، خريستوس بابوتسيس، بنحو خاص، بصور فيديو بثتها محطة «التر» الخاصة، وأظهرت رجال شرطة من وحدات مكافحة الشغب يتعاونون مع رجال مقنّعين خرجوا من صفوف المتظاهرين لتفريق متظاهرين آخرين.
(أ ف ب)