تحوّلت انتفاضة الطلاب الثانويّين في التشيلي ضد النظام التربوي الموروث من حقبة الديكتاتور أوغيستو بينوشيه، إلى معضلة سياسية لحكومة الرئيس سيباستيان بينييرا، وإلى تهديد لمقام وزير التربية خواكيم لافين، أحد أبرز زعماء اليمين والمرشحين لخلافة بينييرا.

بعد ثلاثة أسابيع من انطلاق حملة «البطارقة» ـــــ أي الطلاب الثانويين والتسمية تعود إلى زيهم المدرسي ـــــ لإعادة بناء النظام التربوي الموروث من حقبة بينوشيه، تنجح الحركة في توسيع تحالفاتها وفي تحاشي كل الكمائن التي تزرعها السلطة أمامها.
لقد رفضت الجامعات الهبة المالية التي أتى بها وزير التربية، خواكيم لافين، ورأتها «ناقصة». وتحول لافين (أبرز ساسة اليمين) مراراً إلى «غنيمة» التحرك وإلى «مكبس» محتمل لتنفيسه، ليس فقط لأنه اغتنى من النظام التربوي، وهو ما يعدّه التحرك غير شرعي، بل لأن أداءه لن ينفصل بعد اليوم عن سيرته التي تجعل منه الوريث الحديث للبينوشية.
حاول لافين أن يشترط إنهاء احتلال الثانويات لفتح المفاوضات، فتوسعت الاحتلالات وتشعّبت معها المطالب والقطاعات. وتوجت بتظاهرة ضمت مئة ألف طالب في العاصمة أمام القصر الرئاسي.
ورد لافين الاربعاء الماضي، باستباق موعد الفرصة في المدارس المحتلة (أكثر من 200مدرسة (لعدم «تعطيل كل السنة المدرسية» كما برّر. دعسة قد تكون ناقصة يتعطل بسببها كل القطاع.
لكن أول من أمس، نجح التحرك في جمع ضعف المتظاهرين، ما عُدّ أكبر تظاهرة قطاعية منذ عودة الديموقراطية. واستغلت القائدة الجامعية، كاميلا فاليخو، المناسبة لتطالب باستفتاء وطني حول موضوع التربية «إذا كان السياسيون عاجزين، فليتركوا الشعب يقرر».
وأطل الرئيس بينييرا على التلفزيون للقول بأن «الحكومة تريد تحسين التعليم، لكنها تريد أن تفعل ذلك بنحو حضاري ومخطط ومسؤول».
ويبدو أنه بعد خمس سنوات من الانتفاضة الطلابية الكبرى التي عطلت حكومة الرئيسة ميشال باشليه، وأرغمتها على تغيير حكومي عميق، ترتكب حكومة سيباستيان بينييرا الخطأ نفسه ولا تعير اهتماماً لتحرك هو في العمق «مجتمعي» فتعتقده «حزبياً» وتقطفه مأزقاً «سياسياً».
«تأميم النظام التربوي» الذي يطالب به الثانويون يعني إعادة الدولة المركزية إلى صلب المسار التربوي ليس فقط لجعلها القيّمة أو المساعدة بل الفاعلة في تحويل التربية «أداة مجانية ومساواة» في المجتمع التشيلي.
وتطالب «حركة البطارقة» بأن تنتقل تكاليف التعليم العام من المناطق إلى المركز وتصبح مسؤولية الدولة المركزية لئلّا تتحول التربية إلى أداة إضافية في عملية إعادة إنتاج القائم.
إنه صدى تعود جذوره إلى حقبة بينوشيه حيث عوملت خلال فكفكة الدولة لتحديثها في أوج الموجة الليبرالية، كـ«بضاعة». ونقلت مسؤولية التعليم العام إلى المناطق وصار «تمويل»التعليم يتطلب قروضاً خاصة.
وأدخلت باشليه تحسينات على هذا النظام لكنها لم تمسّه لما كان سيكلف الدولة، فعاد اليوم وانفجر ثانية في منتصف ولاية بينييرا التي تسرع في فقدان الكثير من بريقها. في المقابل، حتى الآن، يثبت الحراك الطلابي أنه استوعب أخطاء تحرك عام 2006 وعرف كيف يملأ نواقصه.