خاص بالموقع- نهاية أقدم حرب عصابات في كولومبيا صارت احتمالاً وارداً، بعد نحو نصف قرن من الصراع. فقبل أسبوع، وصل فريق عمليات خاصة من الجيش الكولومبي إلى معسكر غادره بسرعة زعيم منظمة الـ«فارك» اليسارية، أفونسو كانو، قبل 12 ساعة من وصول الجنود.


«إنها المرة الثالثة التي يفلت منا»، قالها متأسفاً الرئيس خوان مانويل سانتوس، الذي يبدو أنه صار يعدّ اعتقال كانو أقصر طريق لهزم الفارك المتراجعة عسكرياً وسياسياً أمام ضربات القوات المسلحة الموجعة في السنوات الأخيرة.
كانو الذي تسلم قيادة الـ «فارك» عام 2008 بعد وفاة المؤسس مانويل مارولاندا، بدأ يضيق حوله الطوق. لقد نام في المكان قبل ليلة، دلت على ذلك بعض ثيابه التي وجدت في المخبأ ـــــ أكثر منه معسكراً ـــــ كما تدل الصور المنشورة على موقع الجيش.
يوضح مدير الشرطة، أوسكار نارانجو، الذي يقدر بـ «أسابيع» موعد سقوط كانو، بأن القصف لم يطاول المخيم، بل منطقة متاخمة، ما أجبر كانو على المضي. ويؤكد الرئيس سانتوس، المُصرّ هذه الأيام على استعادة دوره كقائد القوات المسلحة، أن المخبأ «ليس مقر كانو الأساسي ولن يعود إليه، وسنبقى ننفخ وراء رقبته».

التطور الميداني المذكور هو إحدى نتائج خطة محاصرة منطقة قيادة الفارك التاريخية المعروفة بـ «كانيون الجميلات». وهي منطقة تقاطع بين ولايات وييلا وتوايما ووادي كوكا. منطقة نموذجية عن طوبوغرافيا كولومبيا، حيث تتفرّع سلسلة الأندس التي تخرقها إلى 3 سلاسل، وهي منطقة حافلة بالخناقات والهاويات العميقة والوعرة المغطّاة بالأدغال والأنهر، ويحاصرها 10 آلاف جندي لقطع قواعد كانو الخلفية.
فيما وجد مخبأ كانو على علو 2500، تصل المنطقة المحاصرة إلى نقاط تقارب الـ 4آلاف متر. وهذه المنطقة كانت معقلاً محصناً للفارك منذ عقود، إلأ أن تطور الحرب التي يشنها الجيش عليها خلال السنوات الأخيرة فككت خطوط التواصل والتموين في منطقة أصبحت اليوم مخروقة، كما يدل تمركز قيادة العمليات في جنوب توليما.
وفي هذه المنطقة فقدت الفارك، التي لها معرفة متراكمة ومفصّلة بجغرافيتها، حرية الحركة التي كانت تميزها فيها، والتي تقلصت حسب شهادة قائد الفرقة الخامسة المكلّفة بالعمليات «إلى 5 في المئة مما كانت عليه قبل سنوات». وحسب قيادة الجيش، ردت قيادة الفارك باللجوء إلى عمليات إرهابية في مناطق أخرى في محاولة منها لفك الحصار وبتضييق منطقة التلغيم في محاولة لدرء خطر قطف رأس قيادتها، الذي قد يوازي ضربة قاضية وانهيار الكفاح المسلح.
وترى قيادة الجيش أن خطة الفارك لن ترتدّ نفعاً عليها هذه المرة لأن الفرقة المحاصِرة لن تحيد عن هدفها الوحيد، وهي تعدد إنجازاتها منذ أقل من سنة من مقتل قائد الفارك العسكري مومو جوجوي، إلى استسلام «المقاتلة ماييلي» المُقرّبة من كانو، مروراً بمقتل مسؤول حلقات الأمن حوله ثم خلفه في حزيران. وستستمر في تضييق الخناق ما قد يؤدي إلى تعطيل كامل للقيادة أم إجبارها للخروج خارج المنطقة.

صار من المعروف أن الـ «فارك» خسرت الحرب عندما فوتت فرصة السلام قبل عقد عندما كانت في أوج قوتها، وصار من المُسلّم به أيضاً أنها فقدت قبل سنوات قدرة المبادرة بعد تفوق الجيش عليها في الحرب الاستخبارية. الجديد الذي أصبح وارداً بعد التطورات الميدانية الأخيرة هو إمكان سقوط القيادة كاحتمال إنهاء الحرب. في هذا الإطار، يجب فهم نداء الأساقفة الكولومبيين لكانو الاثنين الماضي، لكي «يتخلى عن الكفاح المسلح ويدخل في حوار للسلم ويستعد لتأليف حزب سياسي يدافع فيه عن أفكاره». وهم يعبرون فيه عن «استعدادهم لتسهيل مخرج كهذا».
والرئيس سانتوس يرتهن على تطورات سريعة لأنه يريد أن يمسك المجد من طرفيه: أي القضاء على الـ «فارك» من جهة، وترك القضاء يلاحق ارتكابات حليفه السابق وسلفه في الرئاسة، ألفارو أوريبي، من جهة أخرى. وهو يرى في الإنجاز العسكري ـــــ أو السياسي، كما يقترحه المطارنة ـــــ الجواب الشافي على حملة أقرب المقربين من أوريبي، ومنه شخصياً تتهمه بتدني معنويات القوات المسلحة، وبانفلات الأمن، وخصوصاً بـ «نكران الجميل إزاء من عملك رئيساً».