حرب أمنية تستعر تحت رماد الهدوء العسكري في المنطقة. لعلها الإجابة الوحيدة عن سؤال يتردد منذ مدة في أذهان المعنيين الذين يبحثون عن السبب الذي لا يزال يمنع أي مغامرة عسكرية في منطقة فيها من بؤر الاحتقان والأزمات ما يشعل حروباً؟ قد تضاف إليها بعض الرسائل التي تبعثها الأطراف الإقليمية الفاعلة، وهي متعددة الأنواع، آخرها إيرانية المصدر، وكانت مناسبتها المناورات التي أجرتها الجمهورية الإسلامية قبل نحو أسبوعين.


ما يظهر للعيان من هذه الحرب الأمنية ليس سوى قمة جبل الجليد. لكن ما خفي أعظم بالتأكيد. لعل أهم تجليات هذه الحرب ما كشف النقاب عنه في طهران ودمشق وبيروت بين شهري نيسان وأيار الماضيين. البداية كانت في سوريا، حيث سُرِّبت رواية عن كشف خلية من 25 شخصاً «عملاء لحلف الأطلسي» اعتُقل 17 منهم، فيما فر واحد إلى دبي وثلاثة إلى لبنان عادوا والتحقوا به بعد تهريبهم إلى الإمارات بواسطة طرف لبناني. العملية الأطلسية، على ما تفيد التسريبات، بدأت في عام 1999، وانتهت في الأول من نيسان الماضي مع استكمال حملة الاعتقالات بحق الشبكات العاملة في سوريا، وكانت تهدف إلى «قلب نظام الحكم وضمان توجيه الأوضاع في سوريا في وقت الاضطرابات إلى وضع يكون البديل فيه لبشار الأسد جاهزاً من داخل المجتمع السوري المقبول أوروبياً وغربياً».
في أثناء عملية الاعتقالات التي كانت تجري في سوريا، أعلنت وزارة الأمن الإيرانية في 20 أيار الماضي، اعتقال شبكة تجسس إيرانية لمصلحة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» تضم 30 إيرانياً، وذلك «بعد إجراءات أمنية واسعة النطاق قام بها رجال الأمن في داخل إيران وخارجها». وتقول مصادر مطلعة على هذا الملف إن المقصود بالإجراءات خارج إيران هو ما جرى في سوريا، مشيرة إلى تعاون استخباري سوري إيراني في هذا الإطار، وإلى «الكشف عن 42 من الضباط الأمنيين التابعين لوكالة الاستخبارات في عدة دول مختلفة».
وتضيف المصادر نفسها أنه «مع هرب الملاحقين السوريين الثلاثة إلى لبنان، طلبت الاستخبارات السورية من نظيرتها اللبنانية وتلك الخاصة بحزب الله المساعدة في اعتقالهم». وتضيف أن «طلباً كهذا استنفر أجهزة مكافحة التجسس في لبنان، وربما كان هذا الاستنفار قد أدى دوراً في القبض على شبكة العملاء التي أعلنها حزب الله أخيراً».
وتؤكد هذه المصادر أن «هذه العمليات كشفت بما لا يدعو للشك عن أن محطة التآمر الأساسية الخاصة بالسي آي إيه في المنطقة قد انتقلت من السعودية إلى الإمارات، وعلى وجه التحديد دبي»، مشيرة إلى أن «الأسباب التي دعت إلى ذلك كثيرة، لعل أهمها أن تلك الإمارة الخليجية مفتوحة للجميع، وهي أشبه بوكر تجسس لأجهزة استخبارات العالم كله، برضى السلطات التي لا تشترط سوى عدم تنفيذ أي عمليات على أراضيها». وتضيف: «بل أكثر من ذلك. لقد أخذت الإمارات، بمعاونة الكويت، على عاتقهما تمويل بعض الجهات السياسية والأمنية في المنطقة، كانت السعودية تتولى رعايتها، بينها قوى يمينية مسيحية لبنانية متهمة بتهريب الهاربين السوريين الثلاثة من لبنان إلى دبي».
ولعل هذا ما دفع وزير الخارجية السعودية، سعود الفيصل، إلى أن «يطالب بإلحاح أن يزور (نظيره الإيراني علي أكبر) صالحي الرياض من أجل التفاوض، بلا شروط مسبقة، على صفقة شاملة في المنطقة»، على ما تفيد مصادر قريبة من أروقة صناعة القرار في إيران توضح أن «الفيصل يدعي أن للإيرانيين شروطاً، وهذا غير صحيح. كل ما يقولونه هو أنه طالما أنت يا سعودية تطلبين التفاوض فليأت الفيصل إلى طهران لا
العكس».
وكان الفيصل قد قال بداية الأسبوع الماضي إن صالحي اتصل به من باكستان «لبدء حوار بين الجانبين، وطلب عقد الاجتماع في الكويت»، إلا أنه رد عليه بالقول: «لماذا تحمل الكويت وزر العلاقات بين الرياض وطهران؟»، مؤكداً أن «الدعوة ما زالت مفتوحة للإيرانيين للمباحثات مع المملكة». وقال: «إذا كانت إيران تريد أن تمارس دوراً قيادياً في المنطقة الإقليمية، فعليها أن تراعي مصالح دول المنطقة، لا مصالحها فقط».
ومع ذلك، يبقى الحدث الأهم خلال الأسابيع الماضية تلك المناورات التي أجرتها إيران، لما شهدته من رسائل تعمد الإيرانيون إرسالها إلى أكثر من جهة إقليمية ودولية، وما استتبعته من حراك دبلوماسي كانت درته رسالة أميركية عبر ألمانيا من أجل التهدئة.
على المستوى الأول، كان لافتاً استعراض قوات الحرس الثوري الإيراني، وللمرة الأولى، ثلاثة أنواع من الأسلحة: صاروخ باليستي أرض ـــــ أرض طويل المدى، وآخر ذكي أرض بحر، إضافة إلى منصات صاروخية تحت أرضية.
صاروخ الأرض ـــــ أرض من طراز «قدر» ومداه 1800 كيلومتر، ما يجعل جميع القواعد الأميركية والإسرائيلية في المنطقة في مرمى الصواريخ الإيرانية. ميزته أنه يجعل منظومة حيتس الإسرائيلية المضادة للصواريخ غير ذات جدوى، على ما يفيد خبراء في هذا المجال.
أما الصواريخ أرض ـــــ بحر فهي حديثة من طراز «الخليج الفارسي» و«تندر». ذكية ولا ترصدها أنظمة الرادار، والأهم أنها قادرة على استهداف هدف متحرك. لعل الأهم بينهما «الخليج الفارسي»، لكونه باليستياً مزوداً برأس يحمل 650 كيلوغراماً من المتفجرات، وقادراً على ضرب هدف على بعد 300 كيلومتر بسرعة فائقة، تفوق سرعة الصوت بثلاث مرات، مثله مثل صواريخ «تندر».
وميزة هذين الصاروخين أنهما مخصصان للبوارج الحربية وحاملات الطائرات، ومجرد وجودهما لدى البحرية الإيرانية يعني أن الأساطيل الأميركية والغربية عموماً في الخليج باتت مهددة في وجودها.
تبقى منصات الصواريخ تحت الأرض، التي تسمح بإعداد الصواريخ وإطلاقها تحت الأرض، على أن تفتح بوابات في وقت لاحق تسمح بخروجها إلى الهواء الطلق نحو أهدافها، ما يُفقد العدو ما يعرف في العلوم العسكرية بميزة الإنذار المبكر، فضلاً عن تدشين منظومة رادار «الغدير» ذات مدى الـ1100 كيلومتر وارتفاع 300 كيلومتر، والمخصصة لحماية سماء إيران من أي عدوان جوي. كل ذلك، إضافة إلى مساحة مناورات «الرسول الأعظم 6» التي غطت كل مساحة إيران، أثار علامات استفهام لدى إدارة الرئيس باراك أوباما التي يبدو أنها قرأت المناورات بأنها «رفع لسقف التهديدات ورسالة باستعدادات إيرانية لمغامرة من نوع ما». وهذا ما جعل هذه الإدارة، بحسب مصادر قريبة من أروقة صناعة القرار في طهران، تستعجل نقل رسالة دبلوماسية عبر الألمان إلى السلطات الإيرانية «طلباً لاستفسارات عن سبب وضع الإصبع على الزناد» مع «تمنٍّ بخفض حدة التوتر لقطع الطريق على بعض صقور الإدارة من المرتبطين بإسرائيل وبالحركات الصهيونية الأميركية، الذين يدفعون باتجاه حرب شاملة في المنطقة»، وإشارة إلى أن طهران «تعمل على التصعيد في أكثر من بقعة في المنطقة، بينها أفغانستان والعراق».
ويبدو واضحاً أن الأولوية التي تتصدر أهداف الحراك الإقليمي لإيران تتركز على ملفين رئيسيين، بعدما خبا الملف البحريني، ألا وهما سوريا والعراق. في الملف الأول، تسعى إيران إلى توفير مظلة إقليمية لنظام الرئيس بشار الأسد تقيه شر التدخلات الخارجية غير المرغوبة، وتوفر له ما يحتاج من مساعدات، على جميع المستويات. ولعل أول الغيث قرار الحكومة العراقية، التي اتخذته في أيام بدفع من طهران، تقديم 150 ألف برميل نفط يومياً لسوريا. أما في الملف الثاني، فإن الموضوع الموجود على المحك اليوم يقتصر على ضغوط واشنطن لتأمين تمديد نشر نحو 50 ألفاً من جنودها في العراق سنوات مقبلة. ويبدو واضحاً، بحسب مصادر قريبة من أروقة صناعة القرار في طهران، أن الجمهورية الإسلامية قد حسمت خيارها بالوقوف في وجه هذا التمديد مهما كان الثمن.
بناءً على ذلك، يبدو أن الصراع في المنطقة يتمحور خلال الفترة المقبلة حول دمشق وبغداد، حيث تخاض معركتان لا شك في أن نهايتهما ستحدد معالم منطقة عاد شبح الحرب الشاملة يخيّم عليها، وإن كانت نذرها لم تظهر بعد في الأفق.




إصابة السفير الإيراني لدى العراق


أصيب السفير الإيراني لدى العراق، حسن دنائي فر (الصورة)، بجروح وصفت بالبالغة في حادث وقع عند إحدى نقاط التفتيش التابعة للمنطقة الخضراء صباح الأول من أمس الثلاثاء. ونقلت وكالة أنباء «براثا» الموالية للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي الذي يتزعمه عمار الحكيم، أن السفير الإيراني أصيب بجروح بالغة في وجهه وكدمات بجسمه، عندما أنزل عناصر نقطة التفتيش عارضة الدخول أمام موكبه بنحو مفاجئ. وأضافت أنه أُصيب في الحادث أيضاً المستشار الإعلامي في السفارة أمير ارشدي برضوض وكدمات، فضلاً عن سائق السفير. وأشارت الوكالة إلى أن رئيس الوزراء نوري المالكي أمر على الفور بتأليف لجنة للتحقيق في الحادث للوقوف على ملابساته، وزار السفير الإيراني للاطمئنان إلى صحته والاطلاع على طبيعة الحادث وأسبابه.
(يو بي آي)