يسلك ملف تسديد الدين العام الأميركي طريقاً وعراً بعد تعثر المفاوضات بين الديموقراطيين والجمهوريين بشأنه خلال اليومين الماضيين، وهو ما يضع الاقتصاد الأميركي ومعه العالمي على شفا انهيار. وقد حاول وزير الخزانة الأميركي، تيموثي غايتنر، أمس التدخل من أجل إخراج الملف من الدائرة السياسية وإبعاد خطر تخلف الولايات المتحدة عن السداد لفترة 18 شهراً. وقال، في مقابلة مع شبكة «سي أن أن»، أمس «ينبغي إخراج (هذه المسألة) من الدائرة السياسية»، في اشارة الى حملة الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني 2012.

وأجرى الرئيس باراك أوباما وكبار المشرعين الأميركيين مفاوضات أول من أمس لبحث مشكلة الدين، لكنها لم تخرج بنتيجة. واتهم رئيس الغالبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ، هاري ريد، الجمهوريين بدفع الولايات المتحدة الى «شفير التخلف عن السداد» برفضهم التنازل في المفاوضات المصيرية الجارية بين الحزبين بشأن رفع سقف الدين العام. وقال إن «وقت السياسة قد نفد، والوقت الآن هو للتعاون».
وأوضح ريد أن النقطة الأساسية في الخلاف بين الجانبين في المفاوضات الرامية الى رفع سقف الدين الى أكثر من الـ14,3 تريليون دولار التي بلغتها المالية العامة في 16 أيار، تكمن في ما اذا كان تمديد فترة السماح بالاقتراض سيذهب لغاية الانتخابات الرئاسية في 2012. وأضاف إن «أي شيء أقل من هذا لن ينجح في توفير الطمأنينة التي تتطلع اليها الأسواق والعالم أجمع، ويهدد بخفض فوري لمستوى التصنيف الائتماني للولايات المتحدة».
وشارك ريد في جولة مفاوضات مع كل من رئيس مجلس النواب الجمهوري جون باينر، وزعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، وزعيمة الأقلية الديموقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي. وأضاف في بيانه عقب المفاوضات «آمل أن يعيد رئيس المجلس باينر، والزعيم ماكونيل النظر في موقفهما المتعنت»، فيما أعربت بيلوسي عن أملها في أن يجري التوصل الى اتفاق قبل الاثنين. وقالت «يجب الاستفادة من كل لحظة».
بدوره، أكد باينر أن أعضاء المجلسين سيواصلون العمل. وأضاف «خلال عطلة نهاية الأسبوع سيعدّ الكونغرس حلاًّ مسؤولاً للخروج (من المأزق). سيعمل قادة مجلسي النواب والشيوخ لإيجاد حل مدعوم من الحزبين من أجل خفض نفقات واشنطن على نحو كبير وصون الثقة (تجاه اقتصاد) الولايات المتحدة».
وبحسب أحد المشاركين في هذا الاجتماع، فإن باينر دعا زملاءه الى رصّ صفوفهم والتمسك بموقفهم، مشيراً الى أن المفاوضات مع البيت الأبيض تتناول خفض نفقات الدولة الفدرالية من أربعة آلاف مليار دولار الى ثلاثة آلاف مليار. ويضع الجمهوريون هذا الخفض شرطاً مقابل الموافقة على رفع سقف الدين العام الذي تجاوز الـ14 الف مليار دولار.
ويبدو أوباما مستعداً للتضحية ببعض النفقات ذات الطابع الاجتماعي، لكنه يطالب في المقابل بزيادة الضرائب على الفئات الأكثر ثراءً، وهو ما يعارضه الجمهوريون معارضة تامة. وإذا لم يجرِ التوصل قبل الثاني من آب الى اتفاق على رفع سقف الدين العام، تصبح الإدارة الأميركية في حالة تخلف عن السداد، الأمر الذي من شأنه أن يعرّض الاقتصاد العالمي بمجمله للخطر.
وقُبيل اجتماعه مع قادة الكونغرس، دعا أوباما الجمهوريين والديمقراطيين إلى وضع الخلافات جانباً، والعمل على تفادي تراكم مزيد من الدين في البلاد. وقال إن «معالجة مسألة الدين الفدرالي تتطلب مقاربة متوازنة تشمل الاقتطاع في الإنفاق وبعض الموارد الجديدة». وجدد موقفه بأنه حتى تتفادى واشنطن مزيداً من الدين الذي «سيضعف اقتصادنا ويتسبب بمعدلات فائدة أعلى للعائلات، ويجبرنا على التراجع في أمور مثل التعليم والرعاية الطبية، يجب على الديموقراطيين والجمهوريين وضع خلافاتهم جانباً، والعمل على ما هو صائب للبلاد».
وأضاف أوباما «يجب أن يكون كل منا مستعداً لتقديم تنازلات، وإلا فلن يتحقّق أي شيء». وأشار الى أنه «لهذا السبب نحن بحاجة إلى مقاربة متوازنة لخفض العجز، نحن بحاجة إلى مقاربة تقضي بإجراء بعض الاقتطاعات الجدية في البرامج الاجتماعية، اقتطاعات ما كنت لأقدم عليها لو كنا في ظروف طبيعية». وتابع «هذا يعني أن علينا إجراء اقتطاعات جدية في الموازنة لكن من غير المناسب أن نطلب من عائلات الطبقة الوسطى دفع المزيد مقابل الدخول إلى الجامعة، قبل أن نطلب من الشركات الكبرى دفع حصتها العادلة من الضرائب».
وقال إنه «قبل وقف تمويل الطاقة النظيفة يجب أن نطلب من شركات النفط ومالكي الطائرات التخلي عن الإعفاءات الضريبية التي لا تحصل عليها شركات أخرى، وقبل الاقتطاع من الأبحاث الطبية يجب أن نسأل مدراء الصناديق أن يتوقفوا عن دفع الضرائب بمعدلات أقل من سكرتيريهم»، وأنه «قبل أن نطلب من المسنين دفع المزيد للحصول على الرعاية الطبية، يجب أن نطلب من دافعي الضرائب الأكثر ثراءً أن يتخلوا عن الإعفاءات الضريبية التي لا نتحملها في هذه الظروف».
(أ ف ب، يو بي آي، رويترز)