كان افتتاح مؤتمر السفراء الفلسطينيّين في العالم، الذي انعقد خلال اليومين الماضيين في إسطنبول، مناسبة لكي ترفع القيادة التركية، ممثلةً برئيس حكومتها رجب طيب أردوغان، من سقف الشروط المطلوب من إسرائيل تلبيتها لكي يعاد تطبيع العلاقات الدبلوماسية شبه المجمّدة بين الدولتين منذ جريمة «أسطول الحرية» فجر حزيران 2010.


وحمل توقيت كلام أردوغان حساسية ثلاثية الأبعاد: أولاً لأنه صدر قبل يومين من رفع لجنة تقصي الحقائق بشأن «أسطول الحرية»، التابعة للأمم المتحدة، تقريرها بشأن تحميل المسؤوليات للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون المنتظر أن ينشره مطلع آب المقبل. ثانياً، لأن كلامه حمل رفعاً لسقف الشروط التركية الضرورية «لمسامحة» تل أبيب، إذ أُضيف إلى شرطَي الاعتذار الرسمي للدولة التركية والتعويض المالي لذوي الشهداء الأتراك التسعة، شرط ثالث يتمثل برفع الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة، وهو شرط قديم تمسكت به أنقرة غداة الاعتداء البحري، لكنه أسقط من الأجندة التركية في وقت لاحق. وثالثاً، كون كلام أردوغان في افتتاح مؤتمر سفراء فلسطين، قُوبل بردّ إسرائيلي متردد من ناحية التنازل للمطالب التركية، عبّر عنه وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان الذي كان رأيه أساسياً في اجتماع اللجنة الوزارية السباعية للحكومة الإسرائيلية، التي اجتمعت مساء أمس لدرس القرار الرسمي لدولة الاحتلال من مضمون تقرير لجنة تقصي الحقائق، من ناحية تقديم الاعتذار والتعويض من عدمهما.
وأكد أردوغان، أول من أمس، أنّ عودة العلاقات الطبيعية بين تركيا وإسرائيل «غير واردة» إذا لم تلبّ الشروط الثلاثة: الاعتذار عن قتل الأتراك التسعة من على سفينتهم «مافي مرمرة»، ودفع تعويضات لذويهم، وإنهاء الدولة العبرية حصارها «غير الإنساني» عن قطاع غزة، مبرِّراً رفع سقف شروطه بالقول إنّ «مشاكل الفلسطينيين هي مشاكل تركيا، ولن يتم تجاهلها، ولم ننس ولن ننسى تضحيات أشقائنا وذكرياتهم والمذبحة التي راحوا ضحيتها».
وعن هذا الموضوع، طمأن إلى أنه «ما لم تعتذر إسرائيل رسمياً عن تصرفها غير المشروع والذي يتنافى مع القوانين الدولية والقيم الإنسانية، وما لم تدفع تعويضاً لعائلات هؤلاء الذين فقدوا أرواحهم، وما لم ترفع حصارها على غزة، فإن تطبيع العلاقات بين البلدين أمر غير وارد».
ولم يغب عن أردوغان التطرق إلى موضوع زيارته المرتقبة لقطاع غزة التي «لا تهدف إلى إثارة أي توتر مع إسرائيل» على حد تعبيره خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الأردني معروف البخيت في أنقرة. وجزم رئيس الوزراء التركي بأنه «لا نية لتركيا لإثارة أي توتر عبر زيارته لغزة»، مكرِّراً أنّ وزارة الخارجية التركية تعمل على موضوع «توقّعنا لاعتذار إسرائيلي وعلى مشروع زيارتي» إلى القطاع الفلسطيني المحاصر. وعن هذا الموضوع، تابع «من الخطأ جداً انتظار اعتذار وتعويض (إسرائيليين) ورفع للحصار على غزة، بالتزامن مع زيارتي المقررة لغزة». وفي ما يشبه التحذير، أشار إلى أن الأتراك «سينتظرون قليلاً، وإذا لم يحصل شيء (من ناحية الشروط المفروضة على الدولة العبرية)، فسينفذون الخطة ب».

كلام سارع «الصقر» المعادي لكل ما يتعلق بالتنازل لتركيا، أفيغدور ليبرمان، إلى رفضه من أساسه، على قاعدة أن تل أبيب «تؤيد تحسين العلاقات مع تركيا، لكن ليس على حساب إسرائيل فقط، ولسنا مستعدين للموافقة على إملاءات، والكرة الآن بأيدي الأتراك». وتابع إنه «لا يوجد سبب يجعل إسرائيل تعتذر لأننا أمام حالة إرسال جنود لتنفيذ مهمة في قلب البحر». وبإشارة تحمل في طياتها تشاؤماً في ما يتعلق بقرار الحكومة الإسرائيلية المصغّرة إزاء الموقف من تركيا، قال وزير الخارجية «لا يمكنني أن أبشر بأنه سيكون أو لا يكون هناك تفاهم مع الأتراك». غير أنه أرفق موقفه المشكك بكلام آخر مناقض، أوضح فيه أنه لن ينسحب من الحكومة الائتلافية، حتى إذا قررت حكومة بنيامين نتنياهو الاعتذار لتركيا. وقال ليبرمان للصحافيين «سواء كان هناك اتفاق أم لا داخل الحكومة على هذه المسألة، فهذه الحكومة قوية، ولا أحد يبحث عن أعذار أو أسباب لترك الحكومة».

بدوره، أبلغ وزير الدفاع إيهود باراك، الذي يقدم نفسه على أنه الصديق الإسرائيلي الأقرب إلى الأتراك، وبالتالي المتحمس لتقديم الاعتذار لأنقرة، الصحافيين أيضاً بأنه يأمل أن يؤجل إصدار تقرير لجنة الأمم المتحدة مرة أخرى «لمنح مزيد من الوقت لبحث المسائل بعمق». ورأى باراك أنه «إلى جانب الحفاظ على شرف إسرائيل والتأكيد على استقامة أفعالها، لدينا مصلحة عليا في حماية الضباط والقادة والمحاربين من احتمال الملاحقة القضائية في الخارج».
وبين رفع سقف الشروط التركية من جهة، والرد الإسرائيلي من جهة أخرى، أكّدت وسائل الإعلام العبرية وجود حيرة داخل القيادة الإسرائيلية بشأن «سبل التعامل مع المطلب التركي بأن تقدم إسرائيل اعتذاراً» لتركيا. ووفقاً للتقارير الإسرائيلية، فإنّ هناك موافقة إسرائيلية ضمنية لدفع تعويضات لعائلات القتلى الأتراك في إطار المساهمة في إقامة صندوق إنساني يدفع تعويضات للعائلات التركية. وأفادت التقارير نفسها بأنه سيكون في خلفية اجتماع «السباعية» الوزارية، صدور تقرير لجنة تقصي الحقائق، وسط مخاوف حكومة بنيامين نتنياهو من أن صدور التقرير الدولي سيمهّد لحملة رفع دعاوى قضائية ضد ضباطها وجنودها واتهامهم بارتكاب جرائم حرب، علماً بأن تقارير أخرى أفادت بأن الجيش وجهاز الأمن في دولة الاحتلال يوافقان على الاعتذار لتركيا، بشرط أن تتعهد أنقرة بأن لا تلاحق قضائياً الجنود الإسرائيليين.
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي)