استفاقت تركيا من زلزال استقالة قيادة الجيش، وسط إجماع قلَّ نظيره بين المحلّلين والسياسيين والصحافيين الأتراك على تقويم نتائج ما حصل ومغزاه: ـــــ حزب عبد الله غول ورجب طيب أردوغان حسم أشرس معركة بين السلطة السياسية والجيش لمصلحته. ـــــ الحزب الحاكم تمكّن من اقتحام الثكن العسكرية من خلال قدرته على التخلص من الجنرالات الأربعة الأرفع رتبةً في الهيكلية العسكرية، وبذلك يكون قد دخل المكان الوحيد الذي لم يكن قد اجتاجه بعد من بين المؤسسات الكمالية العلمانية السابقة التي تذكّر بـ«تركيا القديمة». بكلام آخر، بات لأردوغان ورجاله جنرالات محسوبون عليهم، بعدما «احتلّوا» البرلمان ورئاستي الجمهورية والحكومة والمؤسسات القضائية والأجهزة التعليمية والاقتصادية.


ـــــ الجيش، بعد هزيمة يوم الجمعة، لم يعد يمكنه تنفيذ انقلاب عسكري، إذ لم يعد يمكنه التصرف في السياسة على أنه باني الجمهورية وحامي نموذج علمانيتها الكمالية، وبالتالي لم يعد مؤسسة مطلقة اليدين في فعل ما يبدو لها أنه مصلحة قومية. ـــــ الحزب الحاكم ترجم فوزه الانتخابي الساحق الذي حقّقه في 12 حزيران الماضي في العلاقة مع المؤسسة العسكرية، إذ إن قرارات تحويل استقالة الجنرالات الأربعة إلى طلب تقاعد نُظر إليه على أنه قرار شرعي صادر عن سلطة أتت بها الانتخابات بفوز كاسح (50 في المئة). ـــــ لم يعد هناك قوى سياسية جدية مستعدة للدفاع عن دور سياسي للجيش، بدليل أن «حزب الجيش»، أو حزب «الشعب الجمهوري»، نفض يديه من الجيش، معلِّقاً على استقالة الجنرالات بالتأكيد أن الجيش يجب أن يبقى بعيداً عن السياسة، «لكن لا فائدة من الذم أو التشويه أو الحطّ من كرامتهم ليلاً ونهاراً»، من دون أن ينسى طبعاً تكرار تحذيراته من مغبّة استغلال حزب العدالة والتنمية للسلطة. كل ذلك وسط إعراب حزب الأكراد «السلام والديموقراطية» عن سعادته بالحدث، نظراً إلى علاقة العداء التي تربط الجيش بأكراد تركيا تاريخياً.
مجموعة من الخلاصات أوردتها الصحف التركية على اختلاف انتماءاتها، المعارضة والموالية، الليبرالية والمحافظة، اليمينية واليسارية، تعليقاً على أكبر هزّة سلميّة ترتبط باسم الجيش التركي في التاريخ الحديث للجمهورية، عندما قدّم أهم أربعة جنرالات في الجيش استقالاتهم أو طلب تقاعدهم من الخدمة، احتجاجاً على رفص السلطة السياسية ترقية مجموعة من الضباط الرفيعي المستوى الذين يحاكمون أمام القضاء، فما كان من تلك السلطة السياسية إلا أن حوّلت أزمة هائلة تلاحقها إلى نصر كبير لها بعد تعيين قائد الشرطة التركية، نجدت أوزل، رئيساً جديداً للأركان، ليصبح ممكناً الحديث، للمرة الأولى، عن جنرال موالٍ لأردوغان في قيادة الأركان.
كل ذلك حصل طيلة نهار وليل الجمعة الذي امتدّ إلى فجر السبت، حين صدرت أهم المراسيم بتعيين أوزل قائداً للجيش البري وقائماً بأعمال رئيس الأركان المستقيل أو المتقاعد عشق كوشانر، تمهيداً لتعيينه رسمياً اليوم رئيساً أصيلاً للأركان، وذلك في أول أيام اجتماعات «المجلس العسكري الأعلى» التي تبدأ في مطلع شهر آب الجاري لإقرار الترقيات السنوية لقيادة ثاني أكبر جيش في حلف شمالي الأطلسي.
ومن المتوقع أن يجتمع «المجلس العسكري الأعلى» بالفعل اليوم مثلما هو مقرَّر سلفاً برئاسة أردوغان، ليجري إقرار تعيين نجدت أوزل رئيساً جديداً للأركان، مع بقاء تعيين قادة القوات المسلحة الرئيسية (الجوية والبرية والبحرية) معلَّقاً للاجتماعات التي يُنتظَر أن تدوم طيلة الأسبوع المقبل، مع الجزم بأن أياً من الضباط الـ250 المعتقلين حالياً لن تجري ترقيتهم.
ومن الأمور التي اتفقت عليها الصحف التركية في تقويم ما حصل يوم الجمعة، أن صدور حكم الإدانة بحق ستة جنرالات جدُد متّهمين بإنشاء مواقع إلكترونية للدعاية ضد الحكومة، كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، في إشارة إلى قبول المحكمة الجنائية الـ13 في إسطنبول، صباح يوم الجمعة، عريضة اتهام في مخطط عسكري ضد 22 ضابطاً في الجيش، بينهم قائد الجيش في منطقة إيجه، و6 ضباط آخرين برتبة جنرال وأميرال، ليُضاف هؤلاء إلى أكثر من 40 جنرالاً في الخدمة ـــــ أو نحو 10 في المئة من القادة العسكريين الأتراك ـــــ قيد الاعتقال بتهم تتعلق بمؤامرات مختلفة لإسقاط حزب العدالة والتنمية من الحكم.
ونقلت وكالة «فرانس برس» عن الأستاذ الجامعي المتخصص في شؤون الجيش التركي، أحمد اينسل، تأكيده أن «الحرس القديم تنحّى جانباً بعدما خسر المواجهة مع حزب العدالة والتنمية منذ 27 نيسان 2007، عندما وضع الفيتو على وصول أردوغان أو غول إلى رئاسة البلاد من دون نتيجة». وبرأي اينسل، فإنّ هذه الاستقالات هي بمثابة «انهيار» داخل المؤسسة العسكرية، ساخراً من أنّ «اليوم، يلقى توقيف جنرال أصداءً في الصحف أقل ممّا يثيره حادث مروري كبير». وعن احتمال حصول انقلاب جديد في تركيا، أجاب: «قد نشهد يوماً محاولة من عقيد أو مقاتل، لكن ليس أكثر من ذلك». وسبب اطمئنان اينسل يعود إلى أنّ الحكومة تحظى بالدعم القوي من جانب جزء كبير من الشعب والشرطة والقضاء «المقرَّبين من حزب العدالة والتنمية». وختم اينسل بالإشارة إلى أنه «على المستوى الدولي، لم يعد هناك خطر شيوعي يسمح بالقيام بانقلابات كما كان يحصل في الستينيات والسبعينيات بدعم من الولايات المتحدة».




السلطة للفائز في الانتخابات

عمّا وصفته صحيفة «صباح» على صدر صفحتها الأولى بأنه «زلزال الأربعة نجوم» (الجنرال في تركيا يحمل أربع نجوم على كتفه)، علّق الصحافي في صحيفة «ستار» الموالية، مصطفى أكيول، بأن «خلاصة الجولة الأخيرة من معركة الجيش مع السلطة السياسية هي أن مَن يملك اليد العليا في هذه البلاد هو من يفوز في صناديق الاقتراع وليس من يحمل البنادق» (الجيش). وتابع أكيول أنّه «يجدر النظر إلى الحدث على أنه انتصار للديموقراطية في بلد كرّس الجيش نفسه على أنه ليس حامي الأمة، بل حامي إيديولوجيا قومية متطرفة، وسمح لنفسه بتنفيذ انقلابات على حكومات منتخبة شعبياً على امتداد نصف قرن من الزمن». أما الخبير الاستراتيجي في جامعة «توب»، نهاد علي أوزكان، فرأى أن «فرض السلطة السياسية سيطرتها على العسكر هو المسار الطبيعي لكل عملية ديموقراطية». وفي السياق، لفت رئيس تحرير صحيفة «حرييت»، مراد يتكين، إلى أنها المرة الأولى في التاريخ التي «يتراجع فيها الجيش، الذي بات له دور جديد، أمام قرار السلطة السياسية».



رئيس الأركان المستقيل عشق كوشانر: حاولوا (الحكومة) خلق انطباع بأن الجيش منظمة إجرامية، وشجّع الإعلام المنحاز هذا الأمر



أردوغان شكر الجنرالات على خدماتهم، ولم يذكر في خطابه للأمة استقالتهم: أكبر واجباتنا هو إعداد دستور جديد ديموقراطي وليبرالي بدون عيوب



غول: يجب ألا ننظر إلى هذا على أنه أزمة مستمرة. من دون شك، فإن أحداث يوم الجمعة كانت وضعاً استثنائياً، لكن كل شيء يمضي في مساره



أبرز تعبير عن «تركيا الجديدة»

يوضح يوسف كانلي من صحيفة «حرييت» المعارضة أنّ استقالة الجنرالات الأربعة ساعدت الحكومة على اختيار مرشحيها لقيادة الجيش، وذلك للمرة الأولى في التاريخ. وتابع أنّ «ما حصل يوم الجمعة هو أبرز تعبير عن تحولات «تركيا الجديدة»، إذ كانت القاعدة السابقة تنص على قيام الجيش بانقلابات على السياسيين في حال حصول خلاف معهم، لكن هذه المرة كان الجيش هو من يقرر الانسحاب من المعركة». أما عن التعيينات المقبلة لقيادة القوات التركية في اجتماعات المجلس العسكري الأعلى التي من المقرر أن تنطلق اليوم، فيجزم كانلي بأنها «لن تكون سهلة بما أن ما يحصل اليوم حدث تاريخي تأسيسي من عمر الجمهورية». أما الصحافي دريا سازاك من صحيفة «ميلييت» المعارضة أيضاً، فرأى أن استقالة الجنرالات «كانت أمراً ضرورياً لإظهار التأثير الحاسم لانتخابات حزيران على العلاقات بين الحكومة والجيش».