أكد مسؤولون أميركيون حاليّون وسابقون أنه إذا ما صوّت الكونغرس على رفض الاتفاق النووي مع إيران، فسيجد الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه، سريعاً، في مواجهة أصداء سلبية كثيرة، من بينها مأزق مؤلم مع الصين. وهو سيناريو من ضمن مجموعة سيناريوات، تسعى الإدارة الأميركية وحلفاؤها المقرّبون وأيضاً شركاؤها في مجموعة «5+1» إلى تجنّبه، من خلال اجتماعات مكثفة مع أعضاء الكونغرس الديموقراطيين «المترددين»، لطمأنتهم بشأن الاتفاق.


يأتي ذلك في ظل تقارير مبنية على مراجعة تفاصيل الاتفاق، تشير إلى أن العقوبات ستُرفع عن عشرات الشركات المرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، وهو ما من شأنه أن يُغضب منتقدي الاتفاق في الولايات المتحدة وإسرائيل، على الأقل.
ورغم أن البيت الأبيض يبدو واثقاً من أنه يملك عدد الأصوات المطلوب في مقابل أصوات الجمهوريين الذين يرفضون الاتفاق النووي، إلا أن عدداً من حلفاء واشنطن المقرّبين، يبدون أقل ثقة، الأمر الذي دفعهم إلى تعديل جدول مواعيدهم كي يتمكنوا من لقاء المشرّعين الديموقراطيين، من أجل الحفاظ على الاتفاق.
في هذا الإطار، أفادت مجلة «فورين بوليسي» بأن عدداً من شركاء واشنطن أعرب عن قلقه، أيضاً، وهو ما تبلور في انضمام دبلوماسيين كباراً من روسيا والصين إلى اجتماع نادر لممثلي القوى الكبرى في مبنى الكابيتول، الأسبوع الماضي، حيث التقوا بحوالى 30 سيناتوراً ديموقراطياً، من أجل القضاء على مخاوفهم من الاتفاق النووي.
إلا أن ما زاد الأمور تعقيداً هو الارتباك الحقيقي لدى هؤلاء المشرّعين عن «كيفية رد القوى الكبرى إذا رفض الكونغرس الصفقة»، وإذا ما كانت هناك «صفقة أفضل» يمكن التوصل إليها في المستقبل، الأمر الذي كان مفاجئاً بالنسبة إلى الدبلوماسيين الغربيين، الذين سعوا إلى الدفاع عن الاتفاق الحالي.
وعلى هذا الصعيد، أشار القائم بالأعمال في السفارة الألمانية، فيليب أكيرمان، إلى أن «احتمال رفض الاتفاق يجعلنا قلقين»، مضيفاً أن هذا الأمر «سيشكل كابوساً لكل بلد أوروبي».
ونظراً لتشعّب تبعات إمكانية رفض الكونغرس للاتفاق النووي، تجد الإدارة الأميركية نفسها في مواجهة أصداء سلبية، من بينها مواجهة محتملة مع الصين التي كانت قد خفّضت كميّة النفط الإيراني الذي تشتريه، امتثالاً لقانون عقوبات أميركي كان يهدف إلى الضغط على إيران لقبول حلّ دبلوماسي للنزاع النووي.
وإذا أحبط الكونغرس الاتفاق النووي الذي تمّ التوصل إليه يوم 14 تموز، فإن بكين المتعطشة للطاقة قد تفهم أن الدبلوماسية فشلت وتتحرّر من قيود العقوبات وتزيد وارداتها من النفط الإيراني. وسيتعيّن على الرئيس أوباما الاختيار بين فرض عقوبات على الصين وإضافة مشاكل جديدة إلى العلاقات الثنائية، أو ترك بناء القيود على إيران ينهار.
ودرس مسؤولون أميركيون سيناريو آخر، هو أن إيران ستلتزم بالاتفاق حتى إذا صوّت الكونغرس برفضه، وقد ترد دول كثيرة بوقف الالتزام بالعقوبات على إيران، ما سيثير الشقاق مع واشنطن.
وقال ريتشارد نيفيو الذي كان إلى وقت قريب كبير مسؤولي العقوبات في وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض: «ستجدون سريعاً أننا سنضطر إلى اتخاذ قرارات عقوبات غير جذابة كثيراً».
وتوقّع مسؤولون أميركيون ودبلوماسيون أوروبيون أن المثال الصيني ليس سوى أحد التداعيات الكثيرة المتوقعة إذا أعاق الكونغرس الاتفاق الذي يضمن لإيران تخفيف العقوبات، مقابل فرض قيود على أنشطتها النووية.
ومن بين تلك التداعيات خلاف محتمل بين جانبي الأطلسي بهذا الشأن، وإلغاء إيران الاتفاق وعودتها سريعاً للتخصيب النووي الواسع النطاق، بل ومعارك قضائية أميركية بسبب العقوبات.
في السياق ذاته، قال مسؤول السياسة الخارجية السابق في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، الذي ساعد في إطلاق أول محادثات نووية مع إيران عام 2004، لوكالة «رويترز»: «ستكون ضربة قوية جداً للولايات المتحدة في العالم. وستكون سيئة أيضاً بالنسبة للشرق الأوسط بأسره ولإسرائيل».

علاوة على ذلك، تبرز مشكلة أخرى بالنسبة لنظام العقوبات الأميركية، والتي تشكل عائقاً أمام إمكانية إقناع الأميركيين بالاتفاق، وهي أن العقوبات سترفع عن عشرات الشركات المرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، وهو ما من شأنه أن يغضب منتقدي الاتفاق في الولايات المتحدة وإسرائيل، على الأقل. وسيكون على الشركات الغربية التعاون مع «الحرس الثوري»، على أصعدة مختلفة، حتى يتسنى لها العمل في بعض قطاعات الاقتصاد الإيراني الأكثر إدراراً للأرباح.
وتتمتع الشركات المرتبطة بـ«الحرس الثوري» بنفوذ كبير بحيث يمكن أن يساعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها في تسهيل إعادة دمج قطاعات كبيرة من الاقتصاد في التجارة العالمية.
ومن بين هذه الشركات شركة «خاتم الأنبياء للإعمار»، التي تسيطر على 812 شركة تابعة على الأقل تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، فيما ترى واشنطن أنها تقوم «بنشر أسلحة الدمار الشامل».
وسيحذف الاتحاد الأوروبي الشركة من على قائمة العقوبات، خلال ثماني سنوات، بينما لن ترفع الولايات المتحدة العقوبات التي تفرضها عليها. وسيكون على رجال الأعمال الأجانب، حينئذ، تقييم الى أي مدى يمكنهم التعامل مع شركاء كهؤلاء من دون أن يعرّضوا أنفسهم للعقوبات الأميركية.
ووفقا لإحصاء أجرته وكالة «رويترز»، بناءً على ملاحق لنص الاتفاق النووي، فسيشطب في المجمل نحو 90 مسؤولاً حالياً وسابقاً في «الحرس الثوري»، وكيانات مثل «الحرس الثوري» نفسه، وشركات قامت بمعاملات لحساب «الحرس»، من قوائم العقوبات النووية للولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة.
وسترفع العقوبات الأوروبية عن مجموعة صغيرة متى يبدأ سريان الاتفاق النووي، في «يوم التنفيذ» المتوقع أن يكون خلال العام المقبل، في حين سيرفع الاتحاد الأوروبي العقوبات التي يفرضها على كيانات أخرى، خلال ثماني سنوات، مثل «بنك صادرات إيران» الذي تتهمه واشنطن بتحويل الأموال إلى «حزب الله» و«حماس»، بينما ستستمر العقوبات الأميركية.
ويقول المدير التنفيذي لـ«مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات» مارك دوبوفيتز، إن أي شركات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» تحذف من قوائم العقوبات في مرحلة التنفيذ، ستتمكن من «نقل الأموال بحرية عبر البنوك العالمية والتعامل من خلال شبكة سويفت المالية للربط بين البنوك والاقتراض والإقراض»، وسيمكنها الحصول على دعم مؤسسات تمويل الصادرات الأوروبية.
ولن ترفع معظم الكيانات التابعة لـ«الحرس الثوري»، مثل «فيلق القدس» والقوة الجوية والصاروخية التابعة لـ«الحرس»، من على قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي، إلى حين بلوغ المرحلة الثانية، خلال نحو ثماني سنوات، لكنها جميعاً ستظل خاضعة للعقوبات الأميركية المفروضة بدعوى «دعم أنشطة إرهابية» أو باعتبار أنها «تنشر أسلحة الدمار الشامل».
وتشمل هذه المجموعات أسماءً يرجّح أن تثير جدلاً، على الأقل في الغرب. ومن بين هؤلاء قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني.
كذلك، تضم قائمة من سيشملهم رفع العقوبات، خلال نحو ثماني سنوات، أحمد وحيدي، وهو قائد سابق لـ«الحرس الثوري» تطلب الشرطة الدولية إلقاء القبض عليه لدوره المزعوم في تفجير مركز يهودي في بوينس آيرس عام 1994، فيما ينفي وحيدي أي علاقة له بالأمر. وسيحذف الاتحاد الأوروبي سليماني من قائمة العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي، لكنه سيبقي على تلك المرتبطة بسوريا والإرهاب.
من جهة أخرى، من المقرر رفع العقوبات أيضاً عن عشرات الشركات الصغيرة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، بعضها ضالع بصورة مباشرة في شراء أو تصنيع العتاد العسكري.
ومن بين هذه الكيانات شركة صناعة الطائرات الإيرانية، التي تصنّع طائرات حربية وطائرات بلا طيار، وشركة الصناعات البحرية، التي ترى وزارة الخزانة الأميركية أنها مسؤولة عن استحواذات القطع البحرية لكل من «الحرس الثوري» والقوات البحرية. وفي هذا المجال أيضاً، سيرفع الاتحاد الأوروبي العقوبات، خلال نحو ثماني سنوات، بينما ستبقي الولايات المتحدة عليها.
والمصالح التجارية لـ«الحرس» منتشرة على نطاق واسع جداً، بحيث قد يكون من الصعب رفع العقوبات، بصورة ملموسة، عن إيران من دون تخفيف القيود إلى حد ما على بعض الشركات الرئيسية.
وسعت إدارة الرئيس باراك أوباما للتهوين من المكاسب المحتملة التي ستعود على «الحرس» من الاتفاق الذي يخفف العقوبات مقابل الحد من أنشطة برنامج إيران النووي. وقال مدير وكالة الاستخبارات القومية الأميركية جيمس كلابر إن من المرجّح أن تنفق إيران معظم ما ستجنيه من رفع العقوبات على أولويات محلية، وإن كيانات مثل «الحرس الثوري» لم تفقد تمويلها قط، حتى في أحلك أوقات الأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد. وخلال منتدى أمني عقده معهد «اسبن» في تموز، أشار إلى أن «الحرس الثوري تلقّى التمويل في كل الأحوال حتى في ظل نظام العقوبات. لهذا أنا واثق من أنه سيحصل على بعض المال، لكنني لا أعتقد أنه سيحقق مكاسب مفاجئة ضخمة».
(الأخبار، رويترز)