لم يُظهر الاعلام التركي والأجنبي، والعربي بطبيعة الحال، «الملحق» الثالث في الأدبيات التركية الرسمية منذ إعلانها «الحرب ضد الارهاب» الشهر الماضي. اكتفى المتابعون بـ«حزب العمال الكردستاني» و«داعش»... وأحزاب يسارية محظورة.

الأرق التركي الدائم من «اليسار المحظور»، حتى ما قبل انطلاق العمل العسكري لـ«حزب العمال» عام 1984، لا تظهره «الأمة القوية» العضو في حلف شمال الأطلسي. تعتيم إعلامي وسياسي مطبق على ما كل ما يخصّ «الأعداء». اليوم، وفي الأمس القريب، طفا اسم «DHKP» على السطح.

«جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري» فرضت نفسها في سلسلة عمليات نوعية كان آخرها أمس الاثنين. العمليات الموجعة ليست وليدة الألفية الأخيرة، وإن كانت عادت لتظهر في السنين الأخيرة بعد «هدنة» ما بعد عام 2000.
أرق أنقرة هو في استهداف هذا «اليسار» مصالح حلفائها، خاصة واشنطن. منذ سنتين أعلنت «الجبهة» مسؤوليتها عن هجوم انتحاري ضدّ السفارة الأميركية في أنقرة.
أمس، تبنّت «الجبهة» هجوماً استهدف القنصلية الأميركية في اسطنبول، في بيان على موقعها الالكتروني أكدت فيه أن الولايات المتحدة هي «عدو لشعوب الشرق الاوسط»، متوعدةً «باستمرار الكفاح حتى رحيل الامبريالية وعملائها من بلادنا وتحرير كل شبر من أراضينا من القواعد الأميركية». قبل شهور، كان الأتراك على موعد مع مشهد لم يألفوه منذ موجات عمليات اليسار الراديكالي الأوروبي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
مسلحان داخل المحكمة العليا في إسطنبول، خلفهما أعلام حمراء... والمدعي العام مكمّم الفم.
بعد ساعات قُتل المهاجمان وسجينهما. محمد كيراز كان يحقق في مقتل الطفل بركن إيلفان (13 عاماً) الذي قتل في إطلاق نار من قبل رجال الشرطة خلال تظاهرات «غيزي» الشهيرة في حزيران 2013. الخاطفان طالبا بإطلاق سراح من تم القبض عليه في التظاهرات وما تبعها، وإدانة رجال الشرطة المسؤولين عن قتل الطفل.
عملت أنقرة على إخماد النار في موضعها. مئات الاعتقالات وعشرات المتهمين زجّوا في السجون إثر الحادثة. لا صفة لهؤلاء سوى الارهاب. ولا تتناقل وكالات الأنباء «الكبيرة» قبل الصغيرة سوى جملة: «الجبهة الموضوعة على لائحة الارهاب في تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي». الدولة «الليبرالية» تتحكّم في موقعي «تويتر» و«يوتيوب»، فما بالك بالصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية؟

«أشباح» بين الأزقة

في شوارع اسطنبول، ما زال يظهر شعار هنا وغرافيتي على حائط آخر. شعارات لا «تحملها» الاحزاب الشيوعية الرسمية المتعددة. «خطاب خشبي» يتداولونه في الاجتماعات ولا يظهر في البيانات: «تركيا مستعمرة أطلسية»... «دمروا المؤسسات الرسمية والبنوك»... «أعداؤنا أميركا والاطلسي وإسرائيل».
على مداخل أحياء فقيرة، يحذّر البعض السياح من الدخول خوفاً من المتطرفين. المتطرفون هنا ليسوا الاسلاميين كما يعتقد الأجانب المهووسون بالتقاط الصور أمام «الباب العالي» وقصور السلاطين. هم بضع مئات من الشبان من الطبقة الفقيرة والوسطى، يحافظون على رئة منظمات يسارية راديكالية لا تُعرف هرميتها ومنهج عملها الأمني.
حالة «الجبهة الثورية» التي عادت إلى «التنفس» ليست الوحيدة، وإن كانت الأحزاب «الشبيهة» أضحت ضعيفة إلى حدّ «الافلاس».
في تركيا، مثلاً، أحزاب TEKP (حزب العمل الشيوعي) وTKİP (حزب العمال الشيوعيين) وMLKP (الحزب الشيوعي الماركسي اللينيني ــ الذي ظهرت له قوات إلى جانب «وحدات حماية الشعب» الكردية في معارك عين العرب، ونعى العديد من أعضائه)، يمثلون جزءاً من كابوس أنقرة الإضافي.
في تظاهرات الاول من أيار كانت الأحزاب الشيوعية التركية تلتقي في ميدان تقسيم في اسطنبول (قبل إقفال الحكومة الميدان خلال عيد العمال قبل سنوات). شيوعيون من «الحزب الشيوعي التركي TKP» و«حزب العمل التركي EMEP» المرخّصيْن، يخبرون عن «لحظة دخول» مناصري DHKP و«إخوانهم».


استهداف القنصلية الأميركية: واشنطن عدوّة شعوب
الشرق الأوسط


«يتمتعون بتنظيم عالٍ... يتحركون في موجات متراصة... ثم يخترقون الصفوف ليصبحوا في المقدمة، وعندها لن تجد حجارة أو رخاماً في الأرض أو زجاجات إلا متطايرة على الأمن والشرطة»، يروي مشاركون. بين الشيوعيين «الرسميين» من يفخر بـ«شجاعة أعضاء DHKP»، متناقلين أخبارهم بالهمس خوفاً من آذان الأمن.
يسجّلون يوماً شهيراً منتصف التسعينيات عندما وقف أحد أعضاء الحزب ونادى ضابط الشرطة باسمه منتظراً التفاته ليقول له: «هذه رصاصة من رفيقي... (الذي قتلته الشرطة سابقاً). يرديه ويسلّم نفسه.
فالحزب، رغم سريّته العالية، لديه حاضنة شعبية تظهر في التظاهرات وبين الأحياء. عام 2008، مثلاً، خرج الآلاف في تشييع دورسون قره طاش، القائد التاريخي للحزب الذي فرّ من سجنه في اسطنبول عام 1989، ثم توفي في هولندا عام 2008 بمرض السرطان. منذ أسبوع، خرجت الحكومة التركية ببيان، معلنة اعتقال 1302 مشتبه فيه خلال عمليات أمنية شملت 39 ولاية. عدد الولايات يعادل تقريباً نصف الولايات التركية، ما يعني أنّ عدداً كبيراً من هؤلاء خارج «الحاضنة الكردية» لحزب «العمال الكردستاني»، وموقوفو «داعش» ما زالوا يعدّون على الأصابع.
الحكومة تضيف في خبرها الموزّع: «... إضافة إلى المنظمات اليسارية الخارجة عن القانون».
متابع للحراك الشيوعي التركي يقول إنّ «الغريب» في انتشار DHKP هو وجوده في المحافظات الغربية لا في الشرق حيث الوجود الكردي. ويضيف أنّ كون جزء كبير من أعضائهم من المتعلمين والعاملين في جهاز الدولة «يصعّب على الأمن مهمّته».




ظهرت «جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري» باسمها الحالي عام 1994، بعدما كانت تعرف باسم Dev sol (اليسار الثوري) التي انطلقت عام 1978، وهو انشقاق عن Dev yol (الطريق الثوري). من أهم عملياتها:
ــ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق نهاد أريم في 19 تموز عام 1980.
ــ اغتيال مسؤولين عسكريين أميركيين في فترة أوائل التسعينيات اعتراضاً على حرب الخليج.
ــ اغتيال وزير العدل السابق في مكتبه في وسط أنقرة في 29 أيول عام 1994.
ــ اغتيال أحد أفراد مجلس إدارة «شركة سابانجي القابضة»، وهي إحدى الشركات الكبرى في تركيا والمؤثرة سياسياً. وقتل أيضاً في الهجوم يوم 9 كانون الثاني 1996 المدير العام لشركة تويوتا ومشارك ثالث في الاجتماع.