باريس | منذ اللحظات الأولى لخروج التصريحات الأميركية والأوروبية التي دعت الرئيس السوري بشار الأسد إلى التنحي، أول من أمس، بدا واضحاً أن هذه المواقف خرقت أحد التابوهات التي كانت كل التصريحات الغربية حتى الآن تتفادى الخوض فيه، حيث كانت المصادر الدبلوماسية الغربية ترى أن مسألة رحيل الأسد هي «معضلة وليست حلاً»، سواء لمستقبل استقرار الأوضاع في سوريا، أو بالنسبة إلى التوازانات الإقليمية عموماً. كذلك فإن توقيت هذه التصريحات المطالبة بتنحّي الرئيس السوري أثارت تساؤلات كثيرة، وخاصة أنها تزامنت مع إعلان دمشق توجّهاً جديداً لوقف العمليات العسكرية، في تحوّل رأى البعض فيه احتمالاً لأن تخرج البلاد من القبضة الأمنية، ولإفساح المجال لمقاربة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية للأحداث التي تشهدها سوريا منذ منتصف آذار الماضي.

وعن توقيت إطلاق هذه التصريحات المطالبة بتنحّي الأسد، قال رئيس المركز الأوروبي للدراسات الاستراتيجية في بروكسل، كلود مونيكيه، إن «من الواضح أن تصريح الرئيس باراك أوباما، والتصريحات الأوروبية التي حذت حذوه في ما يتعلق برحيل الرئيس السوري، ترجمت بلوغ الأمور درجة من العنف لم تعد مقبولة، وخصوصاً أنه لم يكن خافياً بالنسبة إلى الخبراء والدبلوماسيين أن هذه التصريحات جاءت بعد ساعات قليلة من إصدار تقرير للأمم المتحدة عن أعمال القمع المسلطة على المدنيين في سوريا».
ويؤكد الخبير الاستراتيجي الأوروبي أن المطالبة برحيل الرئيس السوري «جاءت كنتيجة مباشرة لما أورده التقرير الأممي من أعمال عنف وفظائع، بعضها جرى تصنيفه من قبل مقرّري الأمم المتحدة في خانة الجرائم ضد الإنسانية، وهي أخطر أنواع الجرائم السياسية وأبشعها. لذا، فقد طالب التقرير مجلس الأمن بإحالة ملف هذه الجرائم على المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يفسّر ردّ الفعل الآني الذي أسقط على الفور التابو المتعلق بقضية تنحية الأسد في التصريحات الأميركية والأوروبية الأخيرة». ويضيف: «لقد اطّلعتُ على هذا التقرير الأممي الذي يقع في 12 صفحة، ووجدتُ أنه يتضمن من الفظائع والجرائم السياسية ما دفعني إلى التساؤل على الفور: كيف سيكون ردّ فعل الدبلوماسية الدولية؟ وجاءت التصريحات المنادية بتنحّي الرئيس السوري مطابقة لما توقعته، إذ إن كل الاعتبارات ذات الطابع الدبلوماسي أو الجيو ــــ استراتيجي التي جعلت الدول الغربية تتفادى الخوض في مسألة تنحية الرئيس الأسد حتى الآن، جرى إسقاطها بعدما تجاوز حجم العنف العتبة التي يمكن المنظومة الدولية أن تقبلها أو تطيقها».
ويخلص مونيكيه إلى أنه «لا أحد يجهل التوازنات الإقليمية الحساسة في الشرق الأوسط، والانعكاسات غير المضمونة التي يمكن أن تنتج عن انهيار النظام القائم في سوريا إذا لم يتوافر بديل يضمن الاستقرار الداخلي والتوازن الإقليمي». لكنه يلاحظ أن «كل هذه الاعتبارات جعلت مسألة المطالبة بتنحّي الرئيس أمراً مسكوتاً عنه من قبل الدبلوماسية الغربية لأشهر كاملة، غير أنه في مثل هذه القضايا، تأتي دوماً اللحظة التي تتلاشى فيها مثل هذه الاحتياطات التي تستند إلى تحليلات عقلانية تأخذ في الحسبان النتائج أو الانعكاسات البعيدة المدى لحساب مواقف حازمة تمليها خطورة الأحداث على الصعيد الفوري، وتكون إيذاناً بوصول الأمور إلى نقطة اللاعودة».
أما الخبير الإعلامي الفرنسي كريستيان مالار، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، فله رأي مغاير تماماً؛ فهو يرى أن هذه التصريحات المنادية برحيل الأسد ليست سوى «خطوة إضافية في سياسة الهروب إلى الأمام التي تتبنّاها الدول الغربية». ويشير الى أنه «بعد التلويح بالعقوبات الدولية، جاءت هذه التصريحات لتعكس عجز الدول الكبرى عن تبنّي استراتيجيا متوازنة من شأنها أن تؤدي دوراً فاعلاً في حل الأزمة السورية». ويضيف: «بالطبع، هذه التصريحات موجّهة للاستهلاك الإعلامي والدبلوماسي فحسب. فكما لم يكن للعقوبات الدولية أي مفعول ملموس، فلن تكون لهذه التصريحات المطالبة برحيل الرئيس السوري أي تأثير فعلي في الأحداث، بل ستكون النتيجة الوحيدة لتصريحات كهذه إقصاء المنظومة الدولية عن أي دور فاعل أو مؤثر في حل الأزمة السورية، لأنها لا يمكن أن تكون الخصم والحَكَم في الوقت ذاته».
ويجزم مالار بأن التصريحات الأميركية والأوروبية الأخيرة لن يكون لها أي مفعول ملموس، فـ«أنا أعرف الرئيس بشار الأسد عن قرب، وشخصياً، وأستطيع القول إنه ليس من طينة الذين يمكن أن تؤثر فيهم تصريحات كهذه. كذلك فإنه ليس من عادة النظام السوري أن يغيّر أو يحدد قرارته وسياساته وفقاً لهوى الدول الغربية الكبرى، فما بالك حين يتعلق الأمر بالمطالبة بتنحّي الرئيس عن الحكم!؟». إلا أنّ الخبير الفرنسي نفسه يرجّح أن تكون هذه التصريحات فرصة لإعادة طرح الإشكالية القائمة منذ بداية الأحداث في سوريا: هل من مصلحة سوريا ومن مصلحة المنطقة ككل أن ينهار النظام الحالي؟ وعن هذا السؤال يجيب: أنا ممن لا يزالون يعتقدون أن رحيل الرئيس السوري عن الحكم سيكون بمثابة معضلة إضافية لا حلاً للأزمة على الإطلاق. هناك بالتأكيد مآخذ على النظام السوري وانتقادات له وإصلاحات يجب عليه القيام بها، وذلك أمر متروك للشعب السوري بكل فئاته ومكوناته. لكن النظام السوري، مهما كانت مآخذ معارضيه في الداخل أو خصومه في الخارج عليه، يبقى بإجماع كل الخبراء والدبلوماسيين والعارفين بشؤون المنطقة عامل توازن واستقرار لا يمكن الاستغناء عنه في ظل المعطيات الإقليمية الحالية».
ولا يتردّد مالار في الإشارة إلى أن «الآراء الغربية المؤيّدة لطروحات إطاحة النظام السوري تتّسم باللامسؤولية، لأن من شأنها أن تزجّ المنطقة بنزاعات إقليمية ستتسع بسرعة لتصبح مواجهة دولية شاملة أو حتى حرباً عالمية». ويختم مداخلته بأنه «لا يمكن الدول الغربية الحديث عن التغيير والحريات الديموقراطية في المنطقة، من دون التصدي لأصل كل المشاكل، أي حل الصراع العربي ــــ الإسرائيلي، عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، وإعادة الجولان المحتل إلى سوريا»، مستدركاً بأنه «إذا استمرّت الدول الكبرى بالسكوت على الجرائم والاعتداءات الإسرائيلية، فلن تكون لها أي صدقية في الدفاع عن حقوق شعوب المنطقة في التحرر».