أخيراً، توصل الطرفان الروسي والفرنسي إلى اتفاق ينهي أزمة الميسترال بين البلدين، والتي بدأت في شهر تشرين الثاني الماضي، مع إعلان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند تعليق تسليم السفينتين على خلفية استعادة موسكو لشبه جزيرة القرم، والمواجهة المفتوحة في أوكرانيا.

يقضي الاتفاق بفسخ العقد الموقّع في 2011، ودفع باريس لتعويض يقارب مليار يورو، وهو مبلغ وسطي بين المقترح الفرنسي المتدني الذي يبلغ 800 مليون يورو، والطلب الروسي البالغ مليار و200 مليون يورو، ويشمل المبالغ التي دفعتها موسكو إضافة إلى كلفة تدريب البحارة الروس في مرفأ «سان نازير» خلال الربيع الماضي. يأتي الاتفاق بعد ثمانية أشهر من المفاوضات الصعبة بين الطرفين والتي واجهت صعوبات.

فإذا كان مصير الصفقة معروفاً بشكل مبكر، أي منذ الاجتماع بين الرئيسين الروسي والفرنسي في موسكو في 6 كانون الأول الماضي، حين بدا واضحاً للطرفين أن «الميسترال» لن تسلّما وأن هناك ضرورة للبحث عن مخرج، فإن المفاوضات اللاحقة لم تكن سهلة، إذ حاولت روسيا التفاوض على الموقف السياسي لفرنسا حول الأزمة الأوكرانية مقابل تعهد بعدم المطالبة بالغرامات المالية التي تضاف إلى التعويضات الناتجة من فسخ العقد.
أخيراً جاء الاتصال بين الرئيسين فلاديمير بوتين وفرانسوا هولاند في 5 آب الحالي ليحسم مصير «الميسترال» نهائياً ويقرّ التعويضات، من دون ذكر للغرامات المالية المترتبة على التأخير في التسليم، ومن ثم فسخ العقد نهائياً لتستعيد فرنسا ملكية السفينتين ومعها عملية تعديل السفينتين لإزالة الخصائص التقنية والبنيوية التي كانت روسيا قد طلبتها لتتلاءم مع الاستعمالات المطلوبة. وهي عملية ستكلف المصنّع الفرنسي بين 200 إلى 300 مليون يورو، وستعاد أيضاً المعدات الروسية التي سبق أن تم تجهيز السفينتين بها، الأمر الذي سيتم إبرامه في اتفاق بين الحكومتين يوقع لاحقاً. يذكر أن الطرف الروسي قد أبدى حسن نية واضحة في حل موضوع «الميسترال»، وذلك بتخليه عن الخصومة القضائية التي كان يمكن أن تدوم لسنوات، لمصلحة تفاهم سياسي على الحل. حل سهّلته حاجة موسكو إلى الأموال من جهة ومعارضة البحرية الروسية لهذه الصفقة من الأساس والضغوط التي مارستها لإلغائها.


الطرف الروسي
أبدى حسن نية
واضحة بتخلّيه عن الخصومة القضائية

من جهة أخرى، تخلصت فرنسا من عبء حراسة وصيانة السفينتين لمصلحة روسيا، ومن عنصر لمصلحة الأخيرة في علاقة الطرفين الدبلوماسية، ستستعملها باريس لرفع اللهجة مع موسكو على الأرجح.
وجدير بالذكر أن فرنسا أعطت لنفسها 18 شهراً لإيجاد حل نهائي للأزمة، يكمن في إعادة بيع السفينتين لبلد أو بلدين آخرين. ومن ضمن قائمة البلدان المرشحة لشراء السفينتين كندا، ومصر، وسنغافورة، والهند، والمغرب، والبرازيل.
أما روسيا، فبتوقيعها العقد مع فرنسا أنهت عقوداً من العقود الحصرية مع المصنّعين الروس، بعد استياء الحكومة والجيش من التأخير في التسليم والكلفة في الانتاج، وهو ما أغضب المجمع الصناعي العسكري. لكن بعد فسخ العقد مع فرنسا، يبدو أن الأمور عادت إلى وضعها السابق، باستثناء أن روسيا اكتسبت ثلاث تقنيات أجنبية جديدة، وهو ما كان الرئيس فلاديمير بوتين قد شدد عليه من ضمن شروط الصفقة الأساسية، قائلاً إن «روسيا مهتمة بشراء الميسترال فقط في حال اشتمال العقد على إعطاء تقنيات». وبحسب قول رئيس قسم التعاون العسكري والتكنولوجيا التابع لأحواض بناء السفن الروسية الموحدة، اليكسي ديكي، فإن روسيا اكتسبت تقنيات جديدة في مجال تجميع الكتل الكبيرة، من دون الإفصاح عن التقنيتين الأخريين. تقنيات يمكن لروسيا الاستعانة بها في ردّها على فشل الصفقة والذي قدمته في منتصف حزيران الماضي والمتمثل في سفينة روسية تحمل اسم «ريساك» بحمولة 14000 طن، قادرة على نقل ثماني طوافات، 60 آلية، وبين آليتين و4 زوارق هجوم. وسيتم تجهيز السفينة بنظام الدفاع الجوي الروسي «بانستير ــ م».
عملياً، تحدّث مصدر في الصناعات الحربية الروسية عن بناء أربع سفن من هذا الطراز، وسيبدأ العمل بالمشروع العام المقبل، على أن تصبح جاهزة بعد نحو عقد بسبب صعوبات التمويل، إضافة إلى الصعوبات التقنية التي تواجه الصناعي الروسي. وهو ما تحدثت عنه وسائل إعلام قريبة من الكرملن، مقدمة الاتفاق مع فرنسا كتسوية لمصلحة روسيا باعتبار أن باريس ستعيد المبالغ المدفوعة، إضافة إلى تمكن روسيا من بناء سفن أكثر ملاءمة لحاجاتها بدل الاعتماد على مصنّع خارجي، في تغيّر للهجة بعد الاستياء الروسي الأوّلي وربط فشل الصفقة بخطأ ارتكبه وزير الدفاع السابق اناتولي سيرديوكوف بالاعتماد على مصنّع أجنبي، وهو كان قد أقيل على خلفية قضية فساد.
أما في فرنسا فقد استثار الإعلان الرسمي عن إلغاء العقد ردود فعل ضمن المعارضة اليمينية التي تركزت على غياب الشفافية في الإعلان عن كلفة الإلغاء لفرنسا، وفي صفوف «الجبهة الوطنية» التي قالت رئيستها، مارين لو بن، إن «فرنسا الاشتراكية ترفض تسليم السفينتين لروسيا، فيما هي تجهز السعودية وقطر، يا للعار».
يبقى أن فسخ العقد الذي تضمّن ربحاً للطرفين، تمثل في حل لمواجهة سياسية وديبلوماسية دامت عاماً ونيف، تضمن حكماً خسارة مشتركة، تمثلت بالنسبة إلى روسيا في خسارة السفينتين، وبالنسبة إلى فرنسا في خسارة الصفقة، ومعها شيء من سمعتها الدولية في مجال تجارة الأسلحة، وربما فرص عقد صفقات أخرى، ليس أقلها صفقة طائرات الرافال مع الهند.