يتقن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توصيف الحالة الإقليمية نظرياً، لكنَّ التاريخ سيذكره كواحد من قادة الجمود السياسي داخلياً وخارجياً. كل شيء يتغيّر من حوله، وهو لا يزال عالقاً في سلامة ائتلافه الحكومي. يدرك نتنياهو اليوم، كما أدرك أسلافه في قيادة الدولة العبرية منذ إسحاق رابين حتى إيهود أولمرت، أنَّه بحاجة إلى تركيا أكثر ممّا هي بحاجة إليه في هذه الآونة، ويعي جيّداً أنّ الأميركيين أرادوا، بصيغة أو بأخرى، اعتذاراً لتركيا، ليس من دافع العدالة بمقدار ما هو إنقاذ، ولو مؤقتاً لصورة الولايات المتحدة الآخذة بالتراجع في المنطقة بعد أدوار لا تزيدها شرفاً في الثورات العربية.


ولأنّ المنطقة مقبلة على تغييرات جذرية، تنوي الولايات المتحدة ضم تركيا إلى جانبها كي لا تكون وحدها مع إسرائيل في المعترك، وخصوصاً في مواجهة إيران واقتراب استحقاق أيلول.
طلبت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من نتنياهو حل الأزمة. أجابها الأخير بأنّه سيجد صيغة لتأجيل نشر «تقرير بالمر» عدّة أشهر في محاولة لحل الموضوع قبل نشر التقرير، لكنَّ نتنياهو علق بين معسكرين في حكومته: الوزيران بوغي يعالون وأفيغدور ليبرمان ضد الاعتذار حفاظاً على «الاحترام القومي»، في مقابل الوزيرين إيهود باراك ودان ميريدور اللذين أيدّا الاعتذار لـ«أهداف أكبر». في نهاية المطاف، قرّر نتنياهو عدم الاعتذار، وسيكون لهذا ثمن.
منذ عام 1949، كانت تركيا الدولة الإسلامية الأولى التي تعترف بالدولة العبرية. وحافظت في تلك الفترة على إمساك العصا من منتصفها في العلاقة مع دولة الاحتلال؛ لم تقترب كثيراً من تل أبيب، ولكنَّها لم تقطع العلاقات معها. وقوف تركيا على الحياد في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي كان مريحاً للدولة العبرية، علاوةً على أنَّ موقعها الجغرافي بوصفها دولة لها حدود مع إيران وسوريا أكسبها أهمية استراتيجية عليا، ازدادت بعد سقوط نظام الشاه في إيران، الحليف الأسطوري للغرب وإسرائيل. وقد حظيت العلاقات التركية ـــــ الإسرائيلية، منذ انطلاقتها، برضى أميركي تعزّز بعد حسم الحرب الباردة وتراجع النفوذ الشيوعي في المنطقة.
العلاقات بين البلدين تواصلت، لكن من دون ازدهار، إلى أن حدثت أزمة عام 1981. الكنيست الإسرائيلي، لتعزيز سطوة الاحتلال على القدس الشرقية المحتلة، سنَّ قانون «أساس القدس» (ضم القدس)، ما أغضب الأتراك الذين رأوا فيه ضمّاً غير قانوني للقدس المحتلة. في تلك الفترة، خفضت تركيا التمثيل الدبلوماسي مع تل أبيب إلى المستوى الثاني. استمرت الحالة ما يقارب 11 عاماً، وهي فترة وصفها مدير وزارة الخارجية الإسرائيلية السابق ألون ليال بأنَّها «سوداء». تحسنت العلاقات في عام 1992 بعد مؤتمر «مدريد»، وبدأت تتصاعد من عام إلى آخر، إلى أن كسرت أرقاماً قياسية في العلاقات التجارية والعسكرية. والأهم من هذا هو التحالف الاستراتيجي بين البلدين. الباحث الإسرائيلي في معهد «بيغن سادات للدراسات الاستراتيجية» افرايم عنبار، أشار في بحث له، إلى أنّ التجارة بين البلدين في تلك الأعوام ارتفعت بوتيرة كبيرة؛ إذ وصل حجم التبادل السنوي بين البلدين في عام 2007 إلى 2.8 مليار دولار بعدما كان 200 مليون دولار فقط عام 1993. في ذلك العقد الذهبي، تقارب الجانبان عسكرياً وسياسياً؛ تجارة عسكرية ومناورات مشتركة. تل أبيب التي عانت من ضيق المساحة الجوية لمناورات مقاتلاتها، وجدت في تركيا عنوانها على مدار سنوات. تحوّلت تركيا من سوق للتجارة العسكرية الإسرائيلية إلى حليف استراتيجي. ورأى رون بن يشاي، أحد كبار المحللين العسكريين، أنّ التعاون بين البلدين أيضاً اشتمل على «تعاون استخباري». بدأ هذا التعاون يتراجع تدريجاً في العام ونصف العام الأخير، وشهدت «التوأمة الاستراتيجية» ملامح تصدّع؛ لأنّ الدولة العبرية ترى أنَّ صعود رجب طيب أردوغان إلى سدّة الحكم زاد من تباعد البلدين.
أزمات كثيرة أغضبت الإسرائيليين، منها استقبال رئيس المكتب السياسي خالد مشعل في عام 2006 في تركيا، تلاها عدوان «الرصاص المصهور» نهاية 2008. وقْع تلك العملية كان الأصعب على العلاقات الثنائية. قبل الهجوم الإسرائيلي على القطاع، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي، في ذلك الحين، إيهود أولمرت، أنقرة، والتقى أردوغان من دون أن يبلغه بأنّ الهجوم على غزة سيبدأ قريباً. عندما بدأ الهجوم، شعر أردوغان بإهانة شخصية، وشنَّ هجوماً على إسرائيل من كلّ منصّة اعتلاها في أعقاب ما ارتكبته في غزة.
تواصل التوتر الدبلوماسي إلى عام 2010، حين استدعى نائب وزير الخارجية داني أيالون السفير التركي أوغوز تشليك كول لتوبيخه في أعقاب مسلسل يعرضه التلفزيون التركي عن الاحتلال الاسرائيلي، وجدته دولة الاحتلال «مسلسلاً مناهضاً للسامية»، وتعمّد إهانته دبلوماسياً بجعله ينتظر خارجاً عند الباب لفترة طويلة حتى سمح له بالدخول. وعندما دخل، أجلسه على كرسيّ منخفض، بينما جلس الدبلوماسيان الإسرائيليان على كرسي مرتفع، إضافة إلى دعوة الإعلام إلى تصوير هذا المشهد المهين. لكنَّ «أم الأزمات» الكبرى كانت في أيار 2010، أي أسطول الحرية. فبعد مقتل النشطاء الأتراك على متن سفينة «مافي مرمرة» التي كانت تسعى إلى كسر الحصار عن قطاع غزة، تدهورت العلاقات، وتوقفت التجارة العسكرية بين البلدين، باستثناء صفقة واحدة عقدت في الماضي، وكذلك المناورات المشتركة.
علاقات استراتيجيّة VS «الاحترام القومي»
لا يمكن فصل التدهور في العلاقات بين البلدين عن الانقسام الإسرائيلي حيال تركيا؛ فالعلاقات الإسرائيلية ـــــ التركية كانت دائماً رهينة لخلافات إسرائيلية داخلية. وزير الصناعة والتجارة السابق بنيامين بن أليعزر، التقى في حزيران 2010 سرّاً بوزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، في سويسرا. عُقد اللقاء بموافقة نتنياهو ومباركة باراك، وطبعاً من دون علم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، الذي يُستبعَد عادةً عن الملفات «الثقيلة». اللقاء السري تسرّب إلى الإعلام. باراك، الذي أيدّ اللقاء في حينها، عاد ليتنصّل منه، الأمر الذي أغضب «صديق تركيا»، الوزير بنيامين بن أليعازر. لم ينحصر الخلاف بصفوف حزب العمل، بل أصبح أزمة ائتلافية بين ليبرمان ونتنياهو؛ لأنَّ الأخير تجاوز وزير خارجيته. نتنياهو قال إنَّ السبب تقني، وليبرمان لم يفجّر أزمة، مع أنه يعي جيداً أنه استبعد على نحو متعمد. شُغل الإسرائيليون بأزمتهم الداخلية، بينما تواصلت العلاقات مع تركيا بالتدهور.
وفي نهاية عام 2010، اندلع حريق الكرمل. بعثت تركيا بمساعدات لإطفاء الحرائق. مساعدة كان لها وقع خاص في ظل الأزمة. كان نتنياهو يعتقد أن حريق الكرمل قد بعث ربما بجمرة ما تضفي دفئاً في العلاقات الباردة والمتوترة. لكن بعد إطفاء الحريق، تبين أن مواقف أردوغان ظلت نفسها بعد الحريق: مطالبة إسرائيل باعتذار رسمي، ودفع تعويضات لأسر الشهداء، الأمر الذي لم يحصل إلى أن أصدرت الأمم المتحدة تقريرها عن جريمة أسطول الحرية قبل أيام. رحب الإسرائيليون بالتقرير وغضب الأتراك. تعاطت إسرائيل مع التقرير على أنه نهاية المطاف، إلا أن الأتراك رأوا فيه بداية لمرحلة جديدة. تعامل الإسرائيليون مع تفاصيل التقرير، في حين أنّ الأتراك لم يتطرقوا إليه قط، ورأوا أن القضايا عالقة قبل التقرير وبعده. السياسة التي اتبعتها تركيا أوقعت الإسرائيليين بين نارين: الاعتذار أو إنهاء العلاقات. ففي حال الاعتذار، هذا يعني اعترافاً بمسؤولية إسرائيلية عن الممارسات، ولتكون تركيا هي الدولة الأولى التي تنتزع مثل اعتذار كهذا يهزّ «الاحترام القومي» الإسرائيلي. وفي حال وقف العلاقات، سيسهم هذا أيضاً في تعزيز الموقع التركي إقليمياً. وقد بدأت ملامح هذا الموقع تتجلى خصوصاً مع الأنباء عن «تحالف مصري ـــــ تركي». تحالف قد تراه تل أبيب خسارة مزدوجة لحليفين كانا الأقوى بالنسبة إليها في الشرق الأوسط. وأكثر من ذلك، تسعى تركيا إلى ملاحقة المسؤولين العسكريين الإسرائيليين. وهو أكثر ما يقلق تل أبيب التي أرسلت جنودها إلى عمق البحر، وخصوصاً أنّ خبراء قانونيين إسرائيليين يقولون إنّ التقرير يتضمن أساساً لدعاوى على الجنود. وفوق كل هذا، إعادة حصار غزة إلى جدول الأعمال. لذلك تعيش الدولة العبرية اليوم حالاً من التخبط السياسي؛ ففي ظل حاجتها إلى «حليف مؤكد» في الشرق الأوسط غير المستقر، آثرت في الآونة الأخيرة «الاحترام القومي» على «العلاقات الاستراتيجية» مع أنقرة، لتضع نفسها في عين أزمة حقيقية، لا يبدو المخرج منها سهلاً.




رومانيا واليونان بديلاً من تركيا


في محاولة للحد من آثار التدهور الذي أصاب العلاقات التركية ـــــ الإسرائيلية، لجأت الدولة العبرية إلى تحسين علاقاتها باليونان ورومانيا، وتكثيف زيارات المسؤولين الإسرائيليين للبلدين، وفي مقدمتهم وزير الدفاع إيهود باراك (الصورة). علاقة أثمرت منعَ اليونان لأسطول آخر كان ينوي التوجه إلى غزة قبل شهور. لكنَّ اليونان ليست تركيا، وخصوصاً أن إسرائيل تعي جيداً أنَّ علاقاتها الاستراتيجية مع أنقرة هي أكثر أهميّة من تلك التي تعيشها مع اليونان. فتركيا اليوم في مكانة إقليمية قوية، كذلك فإنها دولة إسلامية كبيرة وقوية، تعداد سكانها كبير ولها حدود أيضاً مع سوريا وإيران. وبالاضافة إلى كل ذلك، تمتلك تركيا مكانتها في العالم العربي، وخصوصاً أن اتخاذها مواقف داعمة للشعوب يكسبها شرعية سياسية. ومن هذا المنطلق، «توسل» الأميركيون، الإسرائيليين لإنهاء الأزمة، من دون أن يجدي ذلك نفعاً.