كان من المتوقع أن يستحوذ دونالد ترامب على الأضواء خلال المناظرة التي بُثت على شبكة «فوكس نيوز» بين مرشحي الحزب الجمهوري الـ17. بأسلوبه المعتاد الذي يتصف بـ«العجرفة»، تطاول على شخصيات سياسية وإعلامية واجتماعية... لتبدأ تصريحاته، هذه المرة، كحجر عثرة في طريقه ــ عكسته انتقادات لاذعة وُجهت إليه ــ ثمّ تتحوّل إلى كرة لهب لفحت الحزب الجمهوري، قبل أن تُحدث تغييراً في عادات ترامب المثيرة للجدل وفي توصيفاته «المستفزة».


سياسياً، أحدث ترامب خرقاً عند السؤال عمّا إذا كان كلّ المتنافسين سيدعمون المرشح الجمهوري النهائي للانتخابات الرئاسية، ولن يخوضوا السباق الرئاسي مستقلين. ثواني صمت قليلة، كسرها برفع يده معارضاً، ليؤكد أنه يريد أن يربح كجمهوري، من دون أن يعلن دعماً للمرشح النهائي. «عندها واجه الجمهوريون لحظة مريرة»، كما علّق مايكل جيرسون في صحيفة «واشنطن بوست».
تلى المناظرة هاجس تولّى الإعلام الأميركي تظهيره، مروجاً لـ«احتمال كبير بأن يقوم ترامب بالترشح كمستقل، إذا لم ينل ترشيح الجمهوريين»، ما سيؤدي إلى انقسام في أصوات الجمهوريين ويسهّل الأمر أمام مرشحي الحزب الديموقراطي.
نقاش فتح الباب على تأويلات عن مستقبل السياسة الأميركية، ذات الحزبين، فانطلق منه عدد من المحلّلين ليصلوا إلى فرضيات وتقديرات مفادها أنه قد يُمثّل نقطة تحوّل، كما حصل في عدد من الدول الأوروبية. وبناءً عليه، وجد هؤلاء أن الولايات المتحدة تتجه إلى أن تصبح دولة متعددة الأحزاب، بينما رأى آخرون أن هذا الاحتمال ينم عن جهل، وأنه مجرّد تهويل، فذكّروا بأن نظام الحزبين في أميركا واجه، خلال العهود السابقة، الكثير من التحديات، التي كانت أكبر، من دون أن يكون لها أي تأثير، كما ان ترامب، بشخصه، لا يمثل حركة اجتماعية معيّنة، بل يمثّل نفسه فقط.
الكاتبان فيليب روكر وروبرت كوستا تطرّقا إلى هذا الموقف بناء على نظرية أخرى، أكثر واقعية. وفي تقرير في صحيفة «وشنطن بوست» رأيا أن الأجواء التي بُثت عبر «فوكس نيوز»، أزاحت الستار عن أمور عدة كانت غامضة في ما يتعلق بالسباق الرئاسي. مثلاً، الحاكم السابق لولاية فلوريدا جيب بوش بدا غير قادر، على الأقل حتى الآن، على الحصول على الشعبية الكافية في إطار الحزب الجمهوري، بل إنه لن يتمكن من مواصلة خطواته ليصبح المرشح الأول. علاوة على ذلك «كي يتمكن قادة الحزب من الترويج لمرشحين آخرين، مثل ماركو روبيو وغيره من الذين يعدّون قادرين على إزاحة هيلاري كلينتون، يجب أولاً تخطي ترامب»، أضاف روكر وكوستا.
ترامب لم يقف عند هذا الحد، فقد صدرت تصريحات أخرى عنه، خلال المناظرة، مُحدثة صخباً إعلامياً، ولكن على مستوى مختلف تماماً. مذيعة «فوكس نيوز» ميغين كيلي سألته عن تعليقاته السابقة، التي نعت فيها نساءً بأوصاف سيئة، فرد عليها قائلاً إن كلامه تناول روزي أودانل وحدها، وهي ممثلة وشخصية تلفزيونية.
لم يتراجع مرشح الحزب الجمهوري عن مواقفه، وواجه الفوضى الإعلامية التي أحدثها، بمزيد من التعليقات المثيرة للجدل، معاوداً الظهور على محطتي «فوكس نيوز» و«سي ان ان». شكا من المعاملة «غير المنصفة» من قبل ميغين كيلي، وقال لـ«سي إن إن» إنه «لا يكنّ لها الكثير من الاحترام». وذهب إلى أبعد من ذلك فأضاف: «كان بالإمكان مشاهدة الدم يخرج من عينيها ومن أي مكان آخر». غداة هذا التصريح، أصرّ على عدم الاعتذار وكرر انتقادها، مشيراً إلى أنه لم يقل كلاماً مهيناً، ومؤكداً أن «وحده العقل الشاذ يفسر كلامي كذلك».
منذ أسبوع حتى اليوم، حفلت عناوين الصحف ووسائل الإعلام الأميركية بعناوين كثيرة، جزء منها تشفّى من «غرور» ترامب، آسفاً لتصدره استطلاعات الرأي، فيما بنى بعض السياسيين موقفهم على كره مسبق أساسه وصف ترامب للسياسيين بأنهم «حمقى»، بعدما أشار إلى القدرة على شرائهم، مروجاً لفكرة أنه مموّل نفسه في حملته الانتخابية.
ترامب الذي يعدّ نظام تمويل الحملات الانتخابية فاشلاً، قال في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست»: «لدي الكثير من المال، ولن أخرج، سأربح». وأضاف: «راقب: عندما تنتهي هذه الحملة، سأربح. أنا أقود في استطلاعات الرأي. إنها فقط البداية». هذا الأمر عدّه البعض نابعا من فكرة أنه هو، عادة، من يعطي المال للسياسيين، فيما أشار الكاتب مايكل جيرسون إلى أن مفاده أن «كل سياسي يمكن شراؤه من قبل ملياردير». وقال جيرسون إن «هؤلاء الذي يدعمون ترامب لا يفتشون عن لغة منمّقة أو لياقة سياسية، أو تماسك منطقي أو احتشام إنساني، إنهم يفضلون مرشحاً يتهم المرأة بسبب هورموناتها، ثم ينعتها بصفات سيئة، ثم يحاول التغطية على هذه الفوضى من خلال خداع أخرق».
مع ذلك فقد صنع ترامب الحدث بعدما كان هو الحدث، فواصل تصدر استطلاعات الرأي، مثيراً مخاوف إضافية لدى الجمهوريين. منهم السيناتور ليندسي غراهام، الذي صرّح بأن «ترامب يهدّد فرص الحزب الجمهوري بالفوز في الانتخابات الرئاسية»، لذا دعا «قادة الحزب إلى إيقاف أسلوب التعامل الهادئ معه».
ولكن «الواقع المرير» بالنسبة إلى الحزب الجمهوري، ليس كذلك لمناصري ترامب. فوسط كل هذه الهواجس، تبدو الأسباب التي تدفع ترامب إلى تصدر الاستطلاعات، أكثر بساطة: «إنه ليس سياسياً».
«سي ان ان» قابلت عدداً من مناصريه. منهم من قال إنه «كان مصدر تأثير على جزء كبير من الأميركيين الذين أصيبوا بخيبة أمل من السياسة والسياسيين». وغالبيتهم أكدوا أنهم غير مستعدين للتصويت لأحد غيره، تحت أي ظرف كان.