باريس | قبل أقل من سبعة أشهر على انتخابات الرئاسة، وجّه الناخبون الفرنسيون صفعة جديدة إلى الائتلاف اليميني الموالي للرئيس نيكولا ساركوزي. فبعد انتخابات المجالس المحلية، مُني المعسكر الرئاسي بهزيمة مدوّية، أول من أمس، في انتخابات مجلس الشيوخ، حيث فازت المعارضة اليسارية بالغالبية المطلقة (177 مقعداًَ من مجموع 348).

وقد كان مجلس الشيوخ على الدوام معقلاً تقليدياً لليمين، ولا سيما أن الأحزاب اليسارية كانت تعارض نمط الانتخاب غير المباشر لأعضاء هذا المجلس، عبر نسيج انتخابي مصغّر يضمّ 70 ألفاً من «كبار الناخبين» الذين يجري اختيارهم من أعضاء المجالس البلدية. وقد اعتُبر هؤلاء «بديلاً جمهورياً» عن النمط الإقطاعي لـ«كبار الناخبين»، الذين كان اختيارهم يخضع ـــ قبل قيام الثورة الفرنسية ـــ للانتماءات العائلية والألقاب الأرستقراطية.
الأمين العام للحزب الرئاسي (التجمع من أجل غالبية شعبية) جان فرانسوا كوبيه، حاول الانتقاص من أهمية هذا التحوّل السياسي. فهو اعترف بفوز اليسار، لكنه قال: «إن هذه الغالبية اليسارية في مجلس الشيوخ ليست مفاجأة، فهي جاءت نتيجة حتمية لسيطرة أحزاب اليسار على المجالس المحلية والجهوية». وتعدّ هذه المرة الأولى التي ينتقد فيها اليمين الفرنسي نمط انتخاب مجلس الشيوخ. وكان واضحاً أن ذلك جاء بدافع التخفيف من التبعات السياسية لهذه الهزيمة الانتخابية التي تأتي قبل أسابيع قليلة من الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية الرئاسية. واللافت أن تحاليل الخبراء أشارت إلى أن حجم أصوات أحزاب اليسار في المجالس المحلية كان يخوّلها الفوز بـ15 مقعداً إضافياً فقط، فيما التقدم الذي حققته بلغ 23 مقعداً.
تأتي هذه المعطيات لتؤكد مجدّداً المعارضة الواسعة التي تواجهها السياسات الساركوزية حتى في صفوف المعسكر اليميني الذي أوصله إلى الحكم عام 2007. والأرجح أن أصوات تيار «يمين الوسط» الذي يتزعمه فرانسوا بايرو، والتيار الديغولي (اليمين الاجتماعي) الذي يتوزع بين أنصار رئيس الحكومة السابق دومينيك دوفيلبان وزعيم التيار الراديكالي جان لوي بورلو، أسهمت في منح الغالبية لليسار في مجلس الشيوخ، وذلك من أجل قطع الطريق أمام سياسات ساركوزي الاقتصادية التي يعتبرها «اليمين الاجتماعي» مجحفة بحق الطبقات الأكثر تضرراً من الأزمة. ولا تسمح صلاحيات مجلس الشيوخ بنقض قرارات الحكومة، لكن هذا المجلس يستطيع عرقلة بعض القوانين، سواء عبر إلغائها أو تأخير سنّها. كذلك فإن الغالبية اليسارية الجديدة في مجلس الشيوخ سترغم الرئيس ساركوزي على التراجع عن التعديل الدستوري الذي أعلن أنه يعتزم القيام به في تشرين الثاني المقبل، لأن تعديل الدستور يحتاج إلى الغالبية المطلقة في غرفتي البرلمان، أي المجلس الوطني ومجلس الشيوخ.
وكان الهدف من هذا التعديل الدستوري سنّ بند جديد في الدستور الفرنسي ينص على «قاعدة ذهبية» تتمثل في عدم تجاوز حجم المديونية 3 في المئة من الدخل القومي، وذلك في محاولة من قبل ساركوزي لإرضاء الأوساط المالية، خشية أن تخفض علامة فرنسا، على غرار ما حدث مع الولايات المتحدة.
ومن الإنجازات المتوقعة للغالبية اليسارية في مجلس الشيوخ سماحها للمعارضة بأن تؤلف في الأسابيع المقبلة لجان تحقيق برلمانية تمتلك صلاحيات استدعاء المقرّبين من الرئيس ممّن جرى تداول أسمائهم في مختلف قضايا الفساد التي أُثيرت في الأشهر والأسابيع الماضية، لاستجوابهم علناً أمام كاميرات التلفزيون، ما سيمثّل ضربة قاسية لصدقية المعسكر الموالي لساركوزي. وعلى المدى البعيد، إذا تمكن اليسار من الفوز في انتخابات الرئاسة المقبلة، فإن هذه الغالبية ستسمح بتعديل النمط الانتخابي غير المباشر لمجلس الشيوخ واستبداله بالاقتراع الشعبي المباشر.