يرى الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس، برتران بادي، الذي أشرف أخيراً على كتاب «لاعبون جدُد ومعطى جديد ـــــ حالة العالم في 2012»، الصادر قبل أيام عن دار «لا ديكوفيرت» الفرنسية، في حديث إلى «الأخبار» من باريس، أن «الربيع العربي» هو بمثابة ثورات اجتماعية قلبت الأوضاع في كل المنطقة، وأمامها تحدٍّ أساسي هو إثبات قدرتها على إقامة نظام بديل لما كان قائماً. يستخلص بادي ثلاثة دروس، ويميز ما بين ثلاثة مستويات في هذه الثورات، ويربط مستقبلها بكيفية إدارة المرحلة الانتقالية بين كل من مراكز قوى النظام السابق والجماعات الإسلامية والقوى القومية والليبرالية.


ويرى بادي أيضاً، وهو الخبير المعروف في مجال السياسات الدولية، أن تردُّد أوروبا والولايات المتحدة حيال طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيعيد تعبئة الرأي العام العربي المناهض لواشنطن، وسيفضح بالتالي السياسات العرجاء التي وضعتها باريس ولندن وواشنطن. ويخلص قائلاً إنّ «الربيع الفلسطيني» أطاح دبلوماسية الرئيس باراك أوباما.
عن درس «الربيع العربي»، يقول بادي إنه «للمرة الأولى في التاريخ المعاصر، نشهد ثورة تنبثق من المجتمع من دون وسيط سياسي، أي من دون زعيم أو تنظيم أو إيديولوجيا، وشهدنا كذلك انتشاراً اجتماعياً من تونس إلى سوريا، مروراً بمصر واليمن والبحرين، لم يعكس أي استراتيجيا سياسية مرسومة سلفاً، بل كانت بدافع الديناميكية الاجتماعية». وهذا الأمر، وفق البروفيسور، «سيترك أثره على النظرة إلى التحولات العالمية عموماً والعربية خصوصاً، تحديداً من المنظار الاجتماعي، لا السياسي». وبالنسبة إلى الدرس الثاني، فهو يتعلق بطبيعة رد الفعل السياسي، باعتبار أن «الحاكم لم يتخذ أي مبادرات على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية، بل اضطر إلى التأقلم مع الديناميكية الاجتماعية». وبالوصول إلى الدرس الثالث، هو يتعلق بـ«المرحلة الانتقالية بين الماضي والمستقبل، ويمكن اختصارها بالسؤال الآتي: هل يمكن الثورة الاجتماعية الانتصار بمفردها؟ بعبارة أخرى، هذه الثورة التي أطاحت النظام العربي القائم أو زعزعت أركانه، هل هي قادرة على إقامة نظام بديل؟». وفي ضوء الصعوبة بالإجابة، يجد بادي أن «الربيع العربي» يتحوّل رويداً رويداً إلى «شتاء عربي».
ورداً على سؤال عن نجاحات هذه الثورة الاجتماعية، يفصّل إجابته على 3 محاور: «أولاً: في التعبئة والحشد، ثانياً: في هزّ الأنظمة القائمة أو إطاحتها، وثالثاً: في استقطاب أنظار العالم بأسره». وهنا يأسف لأن هذه الثورات لم تتمكن حتى الآن من رسم ملامح النظام الجديد، «وهنا نعيش مفارقة جديدة، هي العودة البطيئة إلى النظام الاستبدادي كما هي الحال في تونس ومصر، أو اللجوء إلى القمع (في سوريا والبحرين واليمن) أو استدعاء الجيوش الأجنبية كما جرى في ليبيا». يبقى السؤال بحسبه هو: هل سقوط آلاف الضحايا في بعض الدول قد يؤدي في النهاية إلى نهضة عربية عصرية؟ يأتي الرد متشائماً: للأسف، نستنتج أن الأمر يراوح مكانه.
سؤال آخر يطرح نفسه على بادي: هل المعطيات الداخلية وحدها هي التي حرّكت الثورة الاجتماعية العربية، أم أن هناك استراتيجيات «تغيير أنظمة» وضعتها بعض عواصم القرار في الغرب، مثلما نحا إليه الكاتب المصري محمد حسنين هيكل. لا يتردد بادي في التنصل من هذه «العقيدة التي لم تنجح مطلقاً في فرض نظام من الخارج، سواء في أفغانستان أو العراق أو في اليمن، حين تولى خبراء غربيون مساعدة النظام الحالي في صنعاء لكي يتحول بطريقة ناعمة». ويتابع بأن «فكرة فرض نظام من الخارج هي سراب يسوّقها من يجد مصلحة في ذلك، وما يخلق بعض الالتباس هو أن الحملة العسكرية التي شنّها حلف شمالي الأطلسي على ليبيا، تكللت بالنجاح؛ لأن نظام معمر القذافي قد سقط، وهذا ليس تغييراً في النظام، بل تدمير للنظام السابق». غير أنه يستدرك بأن نجاح المجلس الوطني الانتقالي من جهة، والحلف الغربي من جهة أخرى في ليبيا، يعيد تعويم فكرة «تغيير النظام» السابق. لكن بما أن الأمر يتعلق الآن ببناء «شيء جديد»، «فإن حجم التأثير والضغط الخارجيين هزيل جداً، وبالتالي علينا إزالة نظرية تغيير الأنظمة من فكرنا السياسي؛ لأنها تفضي حتماً إلى الكوارث».
وعن الفكرة الشائعة الأخرى التي تتعلق بمنافع «الربيع العربي» في احتواء الحركات الجهادية الراديكالية، أو أنها بالعكس قد تمهد الطريق لهذه الحركات، يجيب بادي: «نحن ضحايا الفكر المعلَّب والجاهز، فالفكرتان خاطئتان على حد سواء؛ فهناك من يزعم أن الربيع العربي حمل معه التوجهات الليبرالية والديموقراطية على حساب الحركات الإسلامية مقدمة للقضاء عليها، وفي أقل تقدير لمحاصرتها. في المقابل، هناك من يدّعي أن الإسلاميين سيكتسحون الساحات، ويكسبون المعركة في النهاية. هذان التفسيران ساذجان؛ لأن ما هو صحيح أنه إذا أفضى هذا الربيع إلى الفشل والطريق المسدود، وإذا لم ينجح في تحويل الحركة الاجتماعية إلى ابتكار نظام سياسي جديد، فعندها تكون الفرصة سانحة أمام التيارات والجماعات الإسلامية والمتشدّدة لكسب اللعبة والاستفادة من إحباط أولئك الذين قاموا بالثورات». والعكس صحيح أيضاً بحسب البروفيسور الفرنسي، «فهذه الجماعات مرشحة للاضمحلال إذا تبلور نظام سياسي جديد. إذاً، لا وجود لعلاقة ضرورية بينهما، إذا صح التعبير، بل الأمر يتوقف على كيفية إدارة مستقبل الربيع العربي في هذا البلد أو ذاك، ويحدد بالتالي نجاح الحركات الإسلامية أو فشلها».
وعن مستقبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في كل من تونس ومصر وتوقعاته، يقول بادي إن «الحيرة والشك هما سيدا الموقف؛ فعلى سبيل المثال سمعنا الإخوان المسلمين في مصر يعلنون أنهم قد يقاطعون الانتخابات، وهنا تدخل المزايدات بين الأحزاب والجماعات لتزيد الطين بلة، نظراً إلى أنه لا أحد يعرف ما ستؤدي إليه التطورات، ولا أحد على يقين ما إذا كانت الانتخابات هي أداة للتغيير، مثلما يرغب أولئك الذين كانوا فاعلين في الربيعين المصري والتونسي خصوصاً والعربي عموماً، أو أنها ستكون أداة لإفادة الجماعات المنضوية في الشبكات الزبائنية القائمة أصلاً، أي بعبارة أخرى الأشكال السابقة القابضة على المفاصل الأساسية للسلطة بما أنها الأكثر تنظيماً اليوم سواء في تونس أو في مصر». ويحذّر بادي من أنه «يجوز استبعاد احتمال عودة أنصار النظامين السابقين للإمساك مجدداً بمقاليد السلطة، وخصوصاً في مصر، وبالتالي لا يجب استبعاد فوز الإسلاميين في المدى المتوسط».
وعن احتمال تصدُّر موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة على ما عداه من تطورات مرتبطة بتحولات «الربيع العربي»، كانت إجابة محاورنا: «لقد دخلت القضية الفلسطينية بالفعل في صميم الربيع العربي، ذلك أن مبادرة الرئيس محمود عباس جاءت في الواقع نتيجة لهذا الوضع الاستراتيجي الجديد في كل المنطقة. ويمكنني القول إن مبادرته أدت إلى انتصارين لا يمكن محوهما؛ أولاً، نجح في وضع القضية الفلسطينية مجدداً في صدارة الأجندة الدولية بعدما أُهمِلت لسنوات عديدة، وهو ما لا يرضي الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي بمثابة خسارة محققة وساحقة بالنسبة إلى الرئيس أوباما الذي اضطر إلى الظهور كمن يعارض الاعتراف بهذه الدولة الجديدة. ثانياً، إن الأمم المتحدة تستضيف فلسطين، سواء اعتُرف رسمياً بها أو لا؛ ذلك أن ما من أحد يتجاسر بعد الآن على الاعتراض على هوية الدولة الفلسطينية، وهذا يتجاوز بالفعل السلطة الفلسطينية، حيث إن 130 دولة اعترفت بها حتى الآن، وفتحت لها سفارات على أراضيها، وخصوصاً في أميركا اللاتينية». يكرر بادي جزمه بأن انتصاراً كبيراً حققته القضية الفلسطينية، «الأمر الذي يساهم في عودة محمود عباس إلى الساحة السياسية في الأراضي الفلسطينية بعدما كان مشلول الحركة بسبب عناده وإصراره على التقدم في محادثات عرقوبية ومن دون أفق مع إسرائيل».
وحين تتساءل عن احتمال تراجع الدول الغربية عن تأييد الثورات العربية إذا لجأت الأنظمة الجديدة إلى اعتماد سياسات مناهضة لإسرائيل، يتوقع بادي جموداً في العملية، على الأقل من الناحية القانونية، «ولا بد من الآن فصاعداً معاينة تداعيات الإحباط الجديد واحتمال اندلاع أعمال عنف؛ فمن جهة، كل السبل الدبلوماسية قد فشلت، وحركة «حماس» من هذه الزاوية قد عبّرت بوضوح عن موقفها. ومن جهة أخرى، تسرَّع بعض المنظرين في القول إن الربيع العربي منفصل عن القضية الفلسطينية، والواقع عكس ذلك، في وجه من وجوهه. ثمة تواصل بديهي بين التحرك ضد الإذلال الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية تجاه شعوبها، وذلك التحرك الذي يقضي بالانتفاض على الإذلال الآتي من الخارج». ويلفت المفكر الفرنسي إلى أن الحوادث الأخيرة التي جرت في القاهرة حول مقر السفارة الإسرائيلية تشهد على ذلك الارتباط، «ولم يعد هناك من قيادي عربي يخاطر بالتزام تنفيذ نمط من التعاون مع إسرائيل على غرار ما قام به الرئيس السابق حسني مبارك الذي دفع ثمناً غالياً اليوم على فعلته».
أما الجانب الغربي، فهو برأي بادي أيضاً «لا يتمتع بهامش كبير للمناورة، ذلك أن تردد أوروبا والولايات المتحدة حيال طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيكون سبباً إضافياً في تعميم الإحباط، ومعاودة تعبئة الرأي العام العربي المناهض لأميركا، وسيفضح بالتالي السياسات العرجاء التي وضعتها باريس ولندن وواشنطن حيال العالم العربي». إن دعم هذه العواصم «للربيع العربي»، بحسب محدثنا، كان «معقداً ومتفاوتاً ويرجح أن يصبح بسرعة فائقة متناقضاً بوضوح». في نهاية تحليله، يشير بادي إلى أن الإدارة الأميركية التي «تجرأت على اتخاذ مواقف شجاعة في ما يتعلق بالربيع العربي، ولا سيما على لسان الرئيس أوباما حين واكب الثورتين التونسية والمصرية، فهي اليوم في موقف متهالك محفوف بالمخاطر؛ فالأحداث الجارية في اليمن والبحرين وسوريا لا تُشرِّف البتة الولايات المتحدة؛ إذ رأينا من جهة موقفها المتردد والمعقد إزاء ليبيا، ومن جهة أخرى جاءت مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية لتدمر بالكامل الدبلوماسية الأميركية الراهنة في العالم العربي». ويشرح الأستاذ الجامعي الفرنسي رأيه الأخير بالتذكير بأنه «في الوقت الذي يتأهب فيه أوباما لممارسة حق النقض ضد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في تناقض فاضح مع كل توجهاته الاستراتيجية منذ سنتين، فنحن نكتشف اليوم كم أن هامش حركة الدولة العظمى ضيق وصغير في ساحة الصراع في الشرق الأوسط، وكم أن أوباما بات وحيداً، ويفتقد رافعة داخل الولايات المتحدة وفي قلب المنظومة الدولية».




برتران بادي (61 عاماً) أحد كبار الأسماء التي لا تزال حيّة على صعيد النظرية في مجال العلاقات الدولية. تدرَّس مؤلفاته في معظم الجامعات العالمية، حتى اللبنانية منها، وخصوصاً تلك المتعلقة باضمحلال أهمية عنصر الأرض كمعطى رئيسي في العلاقات الدولية، وخصوصاً بفعل العولمة.