الأميركيون لا يتقبلون الخسائر بسهولة، وغالباً ما يتصرفون كالمقامرين بمضاعفة رصيد المقامرة وصولاً إلى الغش في قواعد اللعبة عندما يلعب الحظ لعبته المعاكسة. وسواء كانت الدلائل التي قدمتها الولايات المتحدة على تورط إيرانيين في مؤامرة ضد السعوديين ذات صدقية أو لا، فإن الأميركيين يستغلون حادثاً لم يحدث للبناء عليه. ملف شبّهه كثيرون بالملف العراقي. الحرب على العراق شُنت تحت ذريعة الأسلحة والصلات الوهمية بين نظام صدام حسين والقاعدة.


حشدت واشنطن العالم المصدوم بهجمات 11 أيلول 2001 من أجل تمرير حربها على العراق، ولم تقنع حينها حتى فرنسا التي كانت على وشك التصويت ضد قرار الحرب واستخدام الفيتو لولا التلويح الأميركي بعقوبات تجارية عليها. وكان لها ما أرادت، وربما ندمت على ما ورطت نفسها فيه. لكن الدولة الكبرى تكابر في هزائمها.
قبل حرب العراق بزمن استغلت واشنطن في عام 1950 غياب الوفد الروسي عن مقعده احتجاجاً لتمرر مشروع قرار الحرب الفاشلة على كوريا الشمالية. يومها فُسر الغياب امتناعاً عن التصويت وليس «فيتو» آخر من «الفيتوهات» الروسية الكثيرة في ذلك الوقت. وشنّت الحرب الخاسرة على فيتنام أيضاً من خلال ذريعة خلقتها بافتعال حادثة خليج تونكين عام 1964. وكادت قبلها تدخل حرباً ذريّة عالمية من خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 لولا وعي الروس وحكمتهم.
اليوم تخشى الولايات المتحدة سقوط كافة الأطباق الحربية الراقصة التي تديرها بهستيريا منذ عام 2001 ولا تعرف إيقافها بسلام. في العراق يزداد النزف الدموي من قوات الاحتلال وكذلك من المدنيين. الانسحاب المذلّ يجرّ المزيد من المذلّة. أما قبول بقاء بضعة آلاف من «الخبراء العسكريين» فدونه شروط الخضوع للقانون الدولي والقانون الوطني العراقي، وهذا غير مقبول أميركياً، لأن محاسبة جندي أميركي واحد على جريمة من شأنه أن يجرّ قضايا لا حصر لها ويفقد الأمبراطورية الأميركية هيبتها.
أرادت الولايات المتحدة من إيران مساعدتها في العراق، وأرادت طهران رؤية واشنطن ترقص على جمر الرافدين. في أفغانستان ساعدت طهران قوات تحالف الشمال على إسقاط حركة طالبان وتحالفها مع القاعدة. ولم تُكافأ على ذلك التحالف ضد الخصم المشترك، فلا أحد ينتظر من «الأسياد» تقديم الشكر على «الواجب». وعندما عجزت عن كسب الحرب على طالبان، فرّقت عبر مجلس الأمن الدولي بين طالبان والقاعدة. ورفعت طالبان عن قوائم المنظمات الراعية للإرهاب علّها تستطيع الخروج من المستنقع الأفغاني بحفظ ماء الوجه. وآخر الدراسات أظهرت أن الولايات المتحدة التي تكره صورة الخاسر، تبالغ في التحدث عن قتل قادة من طالبان، صانعة انتصارات وهمية. وقالت الدراسة الصادرة عن «شبكة محللي أفغانستان» إنه مقابل كل قائد طالباني مزعوم يقتل في ليل، وغالباً ما يكون مقاتلاً صغيرا، يُقتل 8 مدنيين. هؤلاء يخرج ذووهم مطالبين بالثأر ثماني مرات.
الأميركيون والشعوب الأخرى لم يعودوا يثقون بشيء يصدر عن الإدارات الأميركية قبل أوباما وبعده. كانوا يثقون في السابق بالدولار، وضاعت هذه الثقة في دفاتر المصارف. واليوم أميركا مفلسة ومديونة ومهزومة في غير ساحة، لكنها مدججة بالسلاح. لذا تخشى دول كثيرة أن ينتقل المقامر إلى حرب أكبر من كل الحروب. حرب يجب أن تكون امتداداً للحرب العالمية على الإرهاب.
لذا كانت الشكوى في مجلس الأمن الدولي من أجل تصنيف إيران دولة راعية للإرهاب. وإذا كانت إيران لم تستدرج إلى شرك نصب لها في البحرين، وتردّ على الاستفزازات وفنون الحصار في ساحات آخرى مفتوحة للجميع، كان لا بد من استدراجها إلى «خليج تونكين» أو لمواجهة ما لأنها تجيد لعبة الحسابات. نجحت واشنطن بجعل عرب الخليج يقفون معها كي يتلقوا الضربات ويتحملوا النفقات إذا مضت الأمور نحو فصول أو خواتيم حربية.
لكنها تشعر بالضيق من أن الأمور لا تمضي بالسرعة المرجوة في بلاد الشام، والوقت لم يعد في صالحها وصالح حلفائها في الكثير من البلدان العربية المنتفضة في هذا الاتجاه أو عكسه عند حافة البركان، قرب فلسطين المحتلة. كان لا بد من ترهيب إيران من أجل إلهائها في الداخل عن القضايا الإقليمية وتفكيك التحالف الباقي في صورة التشرذم العربي.
أما عامل الحصار الاقتصادي، ورغم تشديده كثيراً في السنوات الماضية، فلم يزد الإيرانيون إلا تشبثاً بمواقفهم بدلاً من تليينها في القضايا المصيرية كالنووي ودعم المقاومات. لا حصار، مهما طال أمده، يمكن أن ينجح ضد إيران التي تملك الكثير مما يحتاج إليه العالم، وليست محاصرة جغرافياً من أي جهة. كذلك فإن روسيا والصين تدركان أن إيران تملك كل مفاتيح المنطقة الساخنة في الخليج وفي وسط آسيا، ولا تملك مفتاح هرمز النفطي وحده.
في الشكوى الأميركية على إيران لوحظ أن المدعي العام الذي كتب لائحة الاتهام بحق الإيرانيين شكوري وأربابسار، تعلم من الأدبيات الأميركية أن فيلق القدس الثوري يمارس أعمالاً معادية، ويدعم جماعات إرهابية في كل من العراق وأفغانستان. وفي هذا الربط بين إيران وخسائر الأميركيين في البلدين يكمن سرّ التوتر الأميركي الشديد الذي قد يدفع الأمور نحو مقامرة أخرى في حرب إقليمية جديدة.
الخليجيون حشدوا للحرب، وكذلك الأميركيون والفرنسيون هذه المرة، رغم أن الجميع يقترب من حافتها ويخشى الانزلاق نحو أتونها. وهنالك الإسرائيليون الذين ربما كانوا الدافعين الأوائل إليها واضعين المعتدلين العرب في خط الدفاع الأول لامتصاص الضربة الأولى. فالحرب، حسب رأي صقور إسرائيل، كانت العام الماضي أفضل من هذا العام. وهي أفضل في هذا العام منها في العام المقبل.
كان واضحاً أن الروس والصينيين لم يظهروا منذ البداية حماسة شديدة للموقف الأميركي الدافع للأمور نحو مواجهات. الأميركيون يستطيعون بموجب الذريعة الجديدة استفزاز إيران واستدراجها إلى حرب أرادوها أن تأتي من إيران، لكنها تأخرت أكثر مما يتسع صبرهم لها. هم يهددون بتشديد الحصار عملياً باستهداف البنك المركزي الإيراني، وربما باعتراض الطائرات والسفن والتجارة الإيرانية مع العالم في كل اتجاه. خطوات أحادية الجانب من هذا النوع لا تدع مجالاً أمام إيران سوى الردّ بطريقة قد تؤدي إلى المواجهة. إنه دفع للأمور نحو مواجهات غير محسوبة. لذا يبدو ضرورياً لعب حكماء الصين وروسيا دوراً يمنع وقوع كارثة قد تكون بحجم كوارث النصف الأول من القرن العشرين أو أكبر.

تحرك دولي لواشنطن لتصنيف طهران في خانة «الإرهاب»




تسعى الإدارة الأميركية الى استغلال «مؤامرة» اغتيال السفير السعودي من قبل إيران الى أقصى الحدود عبر انتزاع إدانة دولية وتوصيفها جريمة «إرهابية» وتهديداً للأمن والسلم الدوليين، وبالتالي وضع ايران في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي والفصل السابع

طلبت الولايات المتحدة من منظمة الأمم المتحدة اعتبار خطة محاولة الاغتيال المزعومة لسفير السعودية لدى واشنطن، عادل الجبير، وعمليات أخرى مكمّلة تتبعها تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
وقالت مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدى الأمم المتحدة، سوزان رايس، في رسالة إلى الأمين العام بان كي مون، وإلى رئيسة مجلس الأمن الدولي، يو جوي أوغو، مؤلفة من 25 صفحة «لدينا معلومات مؤكّدة أنّ هذه المؤامرة وُضعت ورُعيت وأُديرت من قبل عناصر في الحكومة الإيرانية». وأضافت «لو لم يجر تعطيل هذه الخطة لكانت ربما تسببت بجرح أو قتل السفير السعودي وغيره».
واتهمت الرسالة الأميركية، التي حصلت «الأخبار» على نسخة منها، «فيلق القدس الثوري الإسلامي وعدداً من كبار ضباطه الرفيعي المستوى، ومن ضمنهم حامد عبد اللهي وعبد الرضا شاهلائي وعلي غلام شكوري» بأنّهم جميعاً «أداروا وموّلوا المؤامرة»، بحسب لائحة الادعاء التي أعدّها المدعي العام لمحكمة المقاطعة الجنوبية في نيويورك، والتي تضمنت إفادات رجال المباحث السرّيين، الذين انتحلوا صفة المجرمين المأجورين وأوقعوا الإيرانيين في فخّ نصب لهم، حسب الدعوى.
ورأت رايس أن الخطة «عمل إرهابي وخرق إيراني لالتزاماتها تحت معاهدة منع ومعاقبة الجرائم ضدّ الأشخاص المحميين دولياً لعام 1973». وأضافت إنّ بلادها بموجب تلك المعاهدة وبموجب القوانين المرعية الأميركية، أقامت عبر المحكمة الفدرالية للمقاطعة الجنوبية من نيويورك دعوى ضدّ «منصور أربابسيار، المواطن الإيراني الذي يحمل الجنسية الأميركية، وعلي غلام شكوري، المواطن الإيراني».
وأُرفقت بالرسالة وثيقة تضمنت لائحة الاتهام التي تشمل تفاصيل تلك المؤامرة، مشيرةً إلى أنّ المتهم أربابسيار قيد التوقيف منذ 29 أيلول الماضي في مدينة نيويورك، وتنوي الولايات المتحدة محاكمته «بأقصى ما ينصّ عليه القانون الأميركي». أما شكوري، فقد بقي طليقاً.
وطلبت رايس، في ختام رسالتها من الأمين العام، «بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة» إطلاع إيران على تلك الإجراءات. وأكّدت أن دولتها تتوقع من إيران «وفق ما نصّت عليها واجباتها تحت المعاهدة، اتخاذ إجراء مباشر ويمكن التثبت منه، بمحاسبة أي أشخاص آخرين مسؤولين عن هذه المؤامرة، بمن فيهم، وليس حصرياً، علي غلام شكوري». وجاء في الرسالة أن الولايات المتحدة أطلعت السعودية التي «ينتمي إلى مواطنيها المسؤول المحمي دولياً» بتلك الإجراءات.
ووضعت رايس تلك الخطة في إطار انتهاك «واجبات شرعية دولية، بما فيها تلك الواردة في قرار مجلس الأمن الدولي 1373 لعام 2001، الذي يدعو الدول إلى الامتناع عن تقديم أي شكل من أشكال الدعم، السلبي أو الإيجابي، لمنظمات إرهابية، ومنع تزويد الإرهابيين بالسلاح». وأعربت عن عزمها على مناقشة القضية مع بقية أعضاء مجلس الأمن، وهو ما جرى على مدى اليومين الماضيين في لقاءات ثنائية منفصلة. ولقد أحيلت الرسالة ومرفقاتها من تفاصيل الدعوى القضائية من قبل الأمين العام على أعضاء مجلس الأمن، ولم تطلب رايس توزيعها على سائر أعضاء المنظمة.
ووفق نصّ الدعوى، فقد تآمر الأشخاص المتهمون خلال الفترة الممتدة «من ربيع 2011 إلى نحو تشرين الثاني 2011 في المقاطعة الجنوبية من نيويورك وخارجها، على خرق المادة 1116 من العنوان 1ب من قانون الولايات المتحدة بقتل سفير المملكة العربية السعودية لدى الولايات المتحدة».
ووجهت المحكمة بناءً على نص الدعوى مجموعة من الاتهامات تشمل أولاً «التآمر لقتل مسؤول أجنبي»، وثانياً «السفر إلى الخارج واستخدام وسائل تجارية ما بين الولايات لتنفيذ عملية القتل بالإيجار»، وثالثاً «التآمر للمشاركة في السفر ولاستخدام وسائل بين الولايات في التكليف بمهمة القتل بالإيجار»، والاتهام الرابع يتعلق بـ«التآمر من أجل استخدام سلاح من أسلحة الدمار الشامل»، والخامس «التآمر من أجل ارتكاب عمل إرهابي يتخطى الحدود الوطنية».
وتتحدث لائحة الاتهام عن تحويل مبالغ عبر مصارف أميركية بترتيب مع رجال المباحث السرّية المنتحلين صفة مجرمين. وتشير الى أنّه في آب الماضي وقف المتهم أربابسيار وراء تحويل مبلغ 49960 دولاراً من مصرف إلى حساب أحد عملاء المباحث الفدراليين المتخفي، وجرى تحويل المبلغ عبر مصرف في مانهاتان، نيويورك. كما تلقى غلام شكوري في إيران منذ الربيع الماضي مبالغ بآلاف الدولارات «من أجل تغطية مصاريف مؤامرة اغتيال السفير السعودي». وجرى الاتفاق، حسب الادعاء، على أن يدفع أربابسيار للعميل السرّي عدّة دفعات لقاء ارتكاب الجريمة، وكانت الدفعة الأولية «على الحساب تقارب 100 ألف دولار»، من أصل مبلغ إجمالي قدره 1.5 مليون دولار.
ويركز المدعي العام في الدعوى على أن فيلق القدس الثوري الإيراني مسؤول عن تمويل «أعمال إرهابية» في كل من العراق وأفغانستان، وتزويد حركة «طالبان» وغيرها من القوى «الإرهابية» بالدعم المادي. ويروي الادعاء تفاصيل عن سفر المتهم أربابسيار إلى المكسيك ونقل الخطط إلى كارتل مخدرات وإبلاغ العميل السرّي باتصالاته، اضافة الى تفاصيل عن تسجيلات لمكالمات هاتفية تتضمن التطرق إلى المؤامرة إلى حين استدراجه وإلقاء القبض عليه في أواخر الشهر الماضي.