كيوسك




«لا مسيحيون، لا للمسيحيين هنا»، صرخ الرجل بالصبيّة الشقراء في وضح النهار وسط القاهرة، رافعاً إصبعه في وجهها، ثم سأل الفتاة الاخرى التي ترافقها «هل أنت مسيحية أم مسلمة؟».

وعندما لم تجب عن سؤاله، هددهما بالضرب إن لم ترحلا فوراً عن المكان... لم تتخيل الصحافية الاميركية أن تعاد الفتنة الطائفية الى الواجهة في مصر الآن وسط كل ما يعانيه البلد من أزمات اقتصادية ومعيشية واجتماعية وإعادة ترتيب الحياة السياسية من جديد... لكن هذه ليست حال مراسلة مجلة «نيويوركر»، وينديل ستيفنسون، وحدها كما تروي، بل إن إحدى الناشطات الأقباط التي «تداوم» في ميدان التحرير منذ بداية التحركات، احتمت بسيّدة محجبة في طريق العودة الى منزلها من أمام ماسبيرو لرفع الشبهات عنها، وأخرى نُصحت بخلع ثياب الحداد قبل أن تتوجه الى عملها خوفاً من تصنيفها مسيحيةً في الشارع. ماذا يحصل في مصر؟ سؤال أرّق من شهد أحداث الاسبوع الماضي الأكثر دموية منذ خلع النظام السابق. لماذا سقط متظاهرون مدنيون برصاص الجيش المصري؟ لماذا أججت الفتنة الطائفية مجدداً؟ ماذا عن أداء الإعلام الرسمي التحريضي؟ ومن أعاد البلطجية الى الشارع؟ هل عادت أيام حسني مبارك؟ الجواب واضح في معظم الإعلام الغربي: هو خطأ المجلس العسكري.


العسكر باقٍ


وكأن المراقبين انتظروا مذبحة ٩ تشرين الاول ليفرغوا ما عندهم من ملاحظات على أداء المجلس الحاكم وليرفعوا الصوت حول أخطائه الكثيرة. لم تعد «أيقونة» الجيش المصري بوصفه «حامي الثورة وضامن الاستقرار» رادعاً أمام معظم المحللين الذين باتوا لا يرون فيه سوى عائق بوجه أي تقدم نحو الديموقراطية، بل أسوأ، وجهاً من وجوه النظام الاستبدادي السابق. الوضع في مصر لم يستقر بعد، مفهوم، لكن أحد مسببات عدم الاستقرار بات اليوم من يحكم البلد نفسه. معظم الصحافيين ذكّروا بإعلان المجلس لحظة تسلمه الحكم في شباط الماضي أنه سلطة مؤقتة في مرحلة انتقالية، لكن هؤلاء جزموا بأن «المؤقت» سيدوم وبأن «المرحلة الانتقالية» لن تنتهي قبل صيف العام المقبل... إذا انتهت. «بعض المصادر نقلت عن السفيرة الأميركية في القاهرة أن لا أحد يعلم بالضبط الى متى سيبقى المجلس العسكري في الحكم»، تشير مدوّنة «غلوبل سبين» في مجلة «تايم» الأميركية. «كل الامور بيد مجموعة الضباط الحاكمة الآن، ومع دعم واشنطن السياسي والهبات المالية السعودية المقدرة بأربعة مليارات دولار، وبما أن المملكة أشهرت معاداتها لكل تغيير في المنطقة، فلا بد أن المجلس باق لحين»، تضيف «تايم». «لا يمكن ائتمان الجيش على مكوّن مهمّ كالديموقراطية في مصر»، يقول شادي حميد على موقع معهد «بروكينغز» للأبحاث، ويضيف «مسار التحركات منذ فترة أثبت فشله، فالتظاهر كلما اتخذ المجلس العسكري تدبيراً ما لم يجد نفعاً». حميد ينبّه من أن الديموقراطية المصرية باتت مهددة إلى حدّ كبير الآن، ويشير الى أن المجلس الحاكم «غالباً ما يستخدم ذريعة الحفاظ على الاستقرار ليقوم بممارسات كالتي كانت تجري في السابق، ومنها التشديد الأمني وقانون الطوارئ ومضايقة الصحافيين والمحاكمات العسكرية والتعذيب». حميد يقول إنه «كلما زادت فترة بقاء المجلس العسكري في الحكم أراد المكوث لفترة أطول»، لذا يدعو الكاتب الولايات المتحدة إلى الضغط عليه بغية «الاسراع بإنهاء المرحلة الانتقالية». إيريك تراغر، في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، يقول صراحة إن أحداث الاعتداء الأخير على الاقباط تذكّر بفترة ما قبل خلع نظام مبارك وبعيد سقوطه. تراغر يسلط الضوء على موقف الاسلاميين تحديداً إزاء الحادثة، إذ كان جلياً وقوفهم الى جانب المجلس العسكري، ومن بين هؤلاء يسمي تراغر المرشح للرئاسة زعيم حركة الاخوان المسلمين السابق، عبد المنعم أبو الفتوح وسليم العوا، اللذين فضّلا تبنّي نظرية «الأيادي الخفية» فقالا إنها «مؤامرة خارجية صهيونية على البلاد» أو «تدخل أميركي للضغط على المجلس العسكري». لذا، يستنتج الباحث أن الاسلاميين، ورغم اختلافهم مع المجلس العسكري حول بعض القضايا، لا يزالون يرون فيه الوسيلة الافضل لتحقيق مكاسب أكبر في الشارع والحكم خلال المرحلة المقبلة. تراغر انتقد الموقف الأميركي الأخير «الذي لم يكن شديد اللهجة كفاية» تجاه المجلس العسكري، لكنه يرى أن الدعم الأميركي لهذا المجلس لن يبقى قوياً إذ اتضح أن الجيش مستعد لاستخدام كل الوسائل بغية البقاء في الحكم. أمر آخر قد يؤثر على العلاقات بين الطرفين، حسب الكاتب، وهو دعم المجلس للقوى الاسلامية. «الشراكة الاميركية ـ المصرية قد تتحمل ثورة وتصمد في ظل سياسات شعبوية وتستمر رغم الخطاب المعادي للولايات المتحدة، لكنها بالتأكيد لن تدوم في ظل مذبحة منظمة من المجلس الحاكم بحق أقباط مصر المسيحيين»، يختم تراغر مقاله.


«نحن» و«هم»


بدورها، وانطلاقاً من الفكرة التشاؤمية ذاتها حول استبعاد إحلال أي ديموقراطية في مصر، تعرض مارينا أوتاوي على موقع معهد «كارنيغي» للأبحاث أبرز المكونات السياسية التي تؤلف المشهد السياسي المصري اليوم والتي تحمل بأيديها مفاتيح مستقبل مصر السياسي. وهذه المكونات هي حسب الباحثة: الأحزاب السياسية (وصعوبة تبلور حزب غير ديني وغير مرتبط بظرف انتخابي)، الجيش (مع كل ما وضعه من معوقات لانتقال سريع نحو نظام جديد)، الحزب الوطني الديموقراطي السابق (والخطر الدائم من إعادة إحيائه) والحركات الاحتجاجية (مع ما تواجهه من تحد مستمر لإثبات فاعليتها وتأثيرها على الحياة السياسية). أوتاوي تقول إن الاشهر المقبلة ستحدد من دون شك حجم وثقل كل من تلك المكونات، كما ستكشف الانتخابات عن قوة كل منها ومن سيقود مصر نحو ماذا... لكن الباحثة تحذر قائلة إنه «حتى ذلك الحين النزاعات ستزداد في مصر والمجلس لن يسلم السلطة قبل عام ٢٠١٣». وبالعودة الى مذبحة ماسبيرو، تسأل مراسلة «نيويوركر»: «لم يُجب أحد بعد عن الأسباب التي أوجبت ردّ فعل الجيش تجاه المتظاهرين في سابقة تاريخية في مصر، ما كان سبب اللجوء الى العنف؟ هل كان عفوياً أم مخططاً له مسبقاً؟». ستيفنسون، والكثيرون من المراسلين الميدانيين، تتجه للجزم بأن أيام مبارك عادت لتهيمن على الحياة والحكم في مصر. هي تروي كيف توجهت الى المستشفى حيث وصل بعض مصابي ماسبيرو، الا أن أحد الناشطين الحقوقيين نصحها بمغادرة المكان لأن «عناصر أمن الدولة هناك، ويمنعون الأطباء من التكلم وقد صادروا كل أشرطة وتسجيلات الصحافيين». ستيفنسون تختم روايتها بتشاؤم مطبق، وخصوصاً بعدما لاحظت أن حديث المصريين اليوم بدأ يحتوي عبارات مثل «نحن» و«هم». ماذا عن الدور الأميركي؟ معظم الآراء دعت أوباما إلى الضغط على «حليفه» المجلس العسكري بغية التحقيق في الحادثة ومحاسبة المتورطين فوراً وعدم اللجوء الى العنف مجدداً. افتتاحية «نيويورك تايمز» لمّحت الى أن المساعدة المالية التي وعد بها الرئيس المصريين (١،٣ مليار دولار) «قد لا يفرج عنها الكونغرس لصالح نظام قمعي سيسرق فرصة مكتسبة بعد عناء نحو الديموقراطية». صوت آخر علا في «واشنطن تايمز» مستنكراً الصمت الغربي (تحديدا الاميركي والفرنسي) حول ما جرى في مصر بحق المسيحيين. ويسلي برودن اتهم المسؤولين الغربيين بـ«التواطؤ ضد الطائفة المسيحية لصالح الانظمة الجديدة في المنطقة». «كلنا احتفلنا بالربيع العربي. لكن مشهد مواطن مسيحي يسحق تحت عجلات شاحنة الجيش المصري هو أقرب الى «شتاء عربي» منه الى ربيع».




لعنة التلفزيون المصري


مذبحة ماسبيرو جرت تحت نوافذ استوديوهات الاعلام الرسمي في القاهرة. لكن كاميرات القناة الرسمية لم تلتقط سوى صور «متظاهرين أقباط يرمون الجيش بقنابل مولوتوف»، ولم تنقل سوى كلام جنود مصابين حول «غدر المتظاهرين بهم»، وما كان من مذيعيها سوى «دعوة المصريين الشرفاء إلى النزول الى الشارع والدفاع عن جيشهم الوطني». زيت ماسبيرو صبّ على نار الفتنة فكان ما كان. كثيرون لعنوا الاسلوب الاعلامي التحريضي الذي أعاد الى الاذهان أجواء التحريض على المتظاهرين قبل سقوط نظام مبارك. مركز «ستراتفور» رصد التغطية الاعلامية الرسمية المنحازة كليا للجيش والمحرضة على المدنيين خلال الاحداث الاخيرة، كما راقب ردود فعل بعض الناشطين على موقع «تويتر» وبيّن صعوبة استقاء الاخبار الموثوقة من كافة تلك المصادر. لكن المركز لفت الى ظاهرة عدم ثقة كبيرة تجاه المجلس العسكري، إذ أشار الى أن الكثيرين لم يصدقوا بعد أن هناك قتلى في صفوف الجيش.